كتاب الرأي

حين تُوارى الأم… ويُدفن معها الضوء –

في لحظةٍ لا يشبه ثقلها شيء، تتحوّل الكلمات من أصواتٍ مألوفة إلى أنفاسٍ متكسّرة، ويغدو الحرف محاولة أخيرة للإمساك بما يفلت من القلب. هكذا يبدأ الفقد حين تكون الأم هي الغائبة، وحين يكون الوداع أثقل من أن يُحتمل، وأقسى من أن يُصدَّق.

ليست الأم مجرّد حضورٍ يومي يملأ البيت دفئًا، بل هي المعنى الخفي للأمان، والظلّ الذي لا ننتبه لامتداده إلا حين يختفي.
حين رحلت، بدا المشهد كأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة؛ أيادٍ ترفع النعش، وعيونٌ تحدّق في الفراغ، وقلبٌ يشعر أن روحه تُنتزع منه ببطء. كانت قبلة الوداع فاصلةً بين عالمين: ما قبلها حياة، وما بعدها حزنٌ لا يشبه ما عرفناه من قبل.

في تلك اللحظات، يصبح الخبر أثقل من الجبال، وتتجسّد الحقيقة في رعشة الجوارح. ومع أول حفنة تراب، لا يُوارى الجسد وحده، بل يُدفن جزءٌ من الروح ،تختفي الأم تحت ثقل المصائب، ويقف الابن أو الابنة حائرين، لا يعرفان اتجاهًا، ولا تهديهما الخطوات، كل الطرق متشابهة حين يغيب من كان يرشد القلب قبل القدم.

الدار بعد الأم ليست الدار ذاتها، وحشةٌ تسكن الجدران، وصمتٌ يملأ الزوايا التي كانت عامرة بصوتها، كانت سراج البيت، ونبضه، ولينه الخفي – وحين غابت – احتضن الظلام المكان، وكأن الضوء لا يعرف طريقه دونها حتى الذكريات، على دفئها، توجع أكثر مما تُواسي، لأنها تذكّرنا بما لن يعود.

الحنان الذي كان يعيد توازن الروح، واليد التي كانت تضمّ دون سؤال، غابا مع غيابها، وصار القلب يجرّ صوته في عالمٍ يبدو منشغلاً بحياته، غير آبهٍ بفقدٍ ينهش الداخل، طيفها لا يرحل؛ يسكن الملامح، ويوقظ الأنين، ويعيد رسم صورتها في كل بياضٍ نراه، وفي كل صدى يجيب حزننا.

ورغم ذلك، يبقى الإيمان ملاذًا أخيرًا فالفقد، على قسوته، لا يخرج عن قدرٍ كُتب، وأمرٍ إلهيٍّ لا يُرد.
تتجه الأكفّ إلى السماء في خشوع، لا طلبًا لعودة الغائب، بل رجاءً لرحمته ، دعاءٌ بأن تكون الأم في جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، في مرقدٍ يضمّ التقوى إلى الدين، وتغشاه السكينة، ويسقيه الغيث.

الدعاء هنا ليس طقسًا عابرًا، بل امتدادٌ للحب بعد الموت ، أن تُثبَّت عند السؤال، وأن يكون كتابها في عليين، وأن تُجاور المصطفى ﷺ، وتُسقى من كوثره، وتلبس سندس الجنة، وتأنس بالحور، وتُستقبل بفرحٍ لا حزن فيه.
هو أمل القلب حين يعجز عن الاحتمال، ويقين المؤمن حين تضيق به الدنيا.

في رثاء الأم، لا نكتب عن الموت بقدر ما نكتب عن الحياة التي منحتنا إيّاها ،نكتب لنخفّف وطأة الغياب، ولنقول إن الحب لا يُدفن، وإن الدعاء جسرٌ ممتد بين الأرض والسماء ، فالأم وإن غابت عن العيون، تبقى حيّة في القلوب، وفي كل كلمة صادقة تُقال عنها، وفي كل رجاءٍ صاعدٍ إلى الله أن يجبر الكسر، ويمنح الصبر، ويجمع الأحبة في دارٍ لا فراق بعدها.

                                          ناصر مضحي الحربي

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى