الأسرة والمجتمع

عيد الفطر بين عبق الماضي وتطور الحاضر في مواجهة حداثة “المظاهر”

خاص – صحيفة وقع الحدث الإخبارية
اعداد/ ناصر مضحي الحربي

عيد الفطر هو أحد العيدين الرئيسيين في الإسلام، حيث يحتفل المسلمون بانتهاء شهر رمضان المبارك الذي يُعتبر شهر الصيام والتقوى. يمثل هذا العيد فرحة خاصة لجميع أفراد الأسرة والمجتمع، حيث يُعزز الروابط الاجتماعية ويُعيد البهجة بعد فترة من الصيام والتأمل الروحي. يعد عيد الفطر فرصة لمشاركة السعادة مع الآخرين، سواء من خلال تقديم العون للفقراء أو من خلال التجمع مع الأهل والأصدقاء.
ومع إشراقة شمس أول أيام عيد الفطر المبارك، تفيض المشاعر وتستيقظ الذكريات في نفوس كبار السن، أولئك الذين عاصروا “زمن البساطة” وقوة الروابط الاجتماعية التي كانت تُشكل جوهر الفرحة. وبين “عيدية الريال” و”تجمع الحارة” قديماً، وبين “التهاني الرقمية” و”احتفالات الفنادق” حديثاً، ثمة فجوة زمنية تروي قصة تحول اجتماعي عميق.
في هذا الاستطلاع الموسع، تأخذكم “صحيفة وقع الحدث الإخبارية” في رحلة عبر الزمن، لنجالس الأجداد والجدات، ونستنطق ذاكرتهم حول عادات وتقاليد العيد التي صمد بعضها واندثر جلّها. نبحث في ثنايا أحاديثهم عن سر تلك “البركة” التي كانت تملأ البيوت، ونرصد كيف غيرت مدنية الحاضر ملامح “العوادة”، لنضع مقارنة حية بين جيل كان العيد بالنسبة له “لقاء ومودة”، وجيل يراه “استعراضاً ورفاهية
ويعتبر عيد الفطر المبارك في الذاكرة العربية والخليجية محطة سنوية تتجلى فيها أسمى معاني التراحم. ومن خلال لقاءاتنا مع مجموعة من كبار السن (الأجداد والجدات)، نستعرض كيف تحولت ملامح العيد من البساطة “المتعبة الجذابة” إلى الرفاهية “السريعة”.

الاستعداد للعيد: من “الخياطة اليدوية” إلى “المجمعات التجارية”
يقول العم أبو محمد (75 عاماً):
قديماً، كان العيد يبدأ قبل حلوله بشهر. لم نكن نشتري الملابس الجاهزة، بل كانت النساء في الحي يجتمعن لخياطة الثياب وتطريزها يدوياً. رائحة الحناء كانت تملاً البيوت قبل العيد بثلاثة أيام، والبيوت تُطلى بالنورة (الجير) لتستقبل الفرح بيضاء.”
* قديماً: التجهيز ذاتي، خياطة يدوية، تنظيف المنزل بمواد طبيعية، وشراء “المؤونة” بالجملة.
* حديثاً: الاعتماد الكلي على العلامات التجارية العالمية، الحجز المسبق في الصالونات، والتسوق الإلكتروني الذي أفقد “مشوار السوق” لذنته.

مائدة العيد: من “العيش واللحم” إلى “البوفيه العالمي
تتذكر الجدة أم حصة (80 عاماً) طقوس الطعام قائلة:
كانت (الفطرة) أو ذبيحة العيد تُطبخ في قدور كبيرة في فناء البيت، ويجتمع أهل الحي كلهم على سفرة واحدة في الشارع أو في أكبر بيت بالحي. لم يكن هناك فوارق، الكل يأكل من نفس الصحن.

وجه المقارنة | العادات القديمة | العادات الحاضرة 
| طبق العيد الرئيسي | العيش (الأرز) واللحم، الهريس، والجريش. | بوفيهات مفتوحة، أطباق عالمية، وحلويات “ترند”. |
| الحلويات | اللقيمات، الخنفروش، والتمر والخبيص. | الشوكولاتة الفاخرة، الكيك المخصص، والماكرون. |
| مكان الأكل | في “الحوش” أو الشارع (مجلس مفتوح للجميع). | في الصالات المغلقة أو المطاعم والفنادق. |

العيدية والتواصل: من “الريال الحديد” إلى “التحويل البنكي”
يتحدث الجد ناصر (70 عاماً) بابتسامة عن العيدية:
“كان الريال الواحد في يد الطفل يجعله ملكاً! كنا نطوف على البيوت بيتاً بيتاً، ونجمع المكسرات والقليل من المال في أكياس قماشية (الخريطة).”
* قديماً: التواصل كان “وجهاً لوجه”، العيدية بسيطة لكن قيمتها المعنوية هائلة، والأطفال هم “سفراء” التهاني بين البيوت.
* حديثاً: رسائل “الواتساب” حلت محل الزيارة، والعيدية أصبحت تُقدم في أغلفة فاخرة أو عبر تحويلات بنكية، وغاب طرْق الأطفال للأبواب في كثير من المدن الكبرى.

الزيارات وصلة الرحم: من “الديوانية المفتوحة” إلى “الجدولة المسبقة”
يستعيد العم عبدالله (78 عاماً) ذكريات الزيارات قائلاً:
كان باب البيت لا يُغلق في أيام العيد، الناس تدخل وتخرج دون مواعيد، القهوة على النار طوال اليوم، والوجوه لا تنقطع. لم نكن نحتاج للاتصال قبل الزيارة، فالعيد بحد ذاته دعوة مفتوحة.”
* قديماً: زيارات عفوية، المجالس مفتوحة، وصلة رحم ممتدة طوال أيام العيد دون تكلف.
* حديثاً: الزيارات أصبحت محدودة ومجدولة، أحياناً برسائل تنسيق مسبقة، مع الاكتفاء بالمعايدات السريعة أو اللقاءات المختصرة.

فرحة الأطفال: من “ألعاب الحارة” إلى “العالم الرقمي
تقول الجدة أم سعد (73 عاماً):
كنا نرى فرحة العيد في عيون الأطفال وهم يلعبون في الحارة من الصباح حتى المساء، يركضون ويضحكون دون توقف. لم تكن هناك ألعاب إلكترونية، لكن الفرح كان أكبر.”
* قديماً: ألعاب جماعية في الحي، روح تنافس بريئة، وتفاعل اجتماعي حي بين الأطفال.
*حديثاً: انشغال بالأجهزة الإلكترونية، ألعاب فردية، وتراجع التواصل المباشر بين الأطفال في كثير من الأحياء.

مظاهر العيد: من البساطة الصادقة إلى “الاستعراض الاجتماعي
يرى العم صالح (82 عاماً) أن التغير لم يكن كله سلبياً، لكنه يعلّق قائلاً:
زمان كان العيد بسيطاً لكنه مليء بالرضا، اليوم كل شيء متوفر وأكثر جمالاً، لكن أحياناً نشعر أن المظاهر غلبت على الجوهر.”
* قديماً: بساطة في المظهر، تركيز على المعنى الروحي والاجتماعي للعيد.
*حديثاً: اهتمام أكبر بالمظاهر، توثيق اللحظات عبر وسائل التواصل، ومقارنات اجتماعية قد تُفقد العيد شيئاً من عفويته.

صلاة العيد و”المعايدة”
كانت صلاة العيد هي نقطة الانطلاق الحقيقية؛ حيث يخرج الجميع للمصلى في الخلاء. بعد الصلاة، يبدأ “المشافي” وهو تبادل السلام الحار والتعانق، ثم تبدأ جولات المعايدة التي قد تستمر لثلاثة أيام بلياليها دون انقطاع. اليوم، يكتفي الكثيرون بصلاة العيد ثم النوم حتى المساء، لتبدأ الاحتفالات الليلية المتأخرة.

 ماذا فقدنا وماذا ربحنا؟
اتفق كبار السن في هذا الاستطلاع على أننا:
* ربحنا: الراحة، الرفاهية، وتنوع الخيارات وتوفر النعم.
* فقدنا: “اللمة” العفوية، بساطة الفرح، والترابط العضوي بين الجيران الذي كان يجعل من الحي الواحد عائلة كبيرة.

بين الماضي والحاضر، تبقى روح العيد ثابتة رغم تغير التفاصيل. فالعيد في جوهره ليس في نوع الطعام أو شكل اللباس، بل في “القلوب التي تجتمع”، و”الذكريات التي تُصنع”.
ورغم أن مظاهر الحداثة أضفت راحة وسهولة على حياة الناس، إلا أن الحنين لا يزال يسكن قلوب الكثيرين لتلك الأيام التي كانت فيها البساطة تصنع فرحاً لا يُنسى، حيث كان العيد يُعاش بكل تفاصيله… لا يُختصر في رسالة، ولا يُؤجل بموعد.

نشر في وقع الحدث
الأربعاء الموافق 2026/03/18

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى