كتاب الرأي

وجع صامت

     ✍️ سلوى راشد الجهني :

في كثيرٍ من الأحيان لا تكون الأوجاع كلمات تُقال، ولا صرخات تُسمع، بل تصبح ملامح تسكن الوجوه وتفاصيل تختبئ خلف النظرات. هناك أشخاص يمضون بين الناس وهم يبتسمون، يواسون غيرهم، يؤدون أدوارهم اليومية بإتقان، بينما في داخلهم حروب لا يعلم عنها أحد. فالألم الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى صوت، لأن العيون قادرة على أن تحكي ما تعجز عنه الحروف، والملامح تستطيع أن تكشف ما يحاول القلب إخفاءه.
إن أكثر ما يرهق الإنسان ليس فقط حجم الوجع، بل اضطراره الدائم لأن يبدو بخير رغم كل ما يشعر به. فتراه يبتسم احترامًا للحياة، أو حفاظًا على من حوله، أو حتى خوفًا من أن يُساء فهمه إن تحدث. ومع مرور الأيام تصبح الابتسامة غطاءً هشًا يخفي خلفه تعبًا نفسيًا عميقًا، وتتحول الملامح إلى مرآة تعكس السهر، والخذلان، وكثرة التفكير، وتراكم المسؤوليات.
بعض الناس لا يجيدون التعبير عن حزنهم بالكلام، لكن أعينهم تفضحهم. ففي النظرات المنطفئة قصص طويلة من الخيبة، وفي الصمت رسائل كثيرة لم تجد من يفهمها. وقد يمرّ بنا أشخاص نظن أنهم أقوياء جدًا، بينما هم في الحقيقة يقاومون الانهيار كل يوم بصمتٍ عظيم. لذلك كان اللطف مع الآخرين ضرورة إنسانية، لأننا لا نعلم ماذا يخفي كل قلب خلف هدوئه.
ومن المؤلم أن يعيش الإنسان محاطًا بالناس، لكنه يشعر أن لا أحد يقرأ تعبه الحقيقي. فالبعض يسمع الكلمات فقط، ولا ينتبه للارتجافة التي خلفها، أو للعين التي تخفي دمعة، أو للنبرة التي تحمل تعب السنين. ولهذا يحتاج الإنسان أحيانًا إلى احتواء صادق أكثر من حاجته إلى الحلول، يحتاج لمن يشعر به دون أن يشرح، ويفهم صمته دون أن يتحدث كثيرًا.
ورغم كل الأوجاع، يبقى الإنسان قادرًا على النهوض ما دام في داخله شيء من الأمل. فالحياة مهما أثقلت القلوب لا تخلو من لحظات جبر، ولا من أرواح طيبة تُعيد للروح طمأنينتها. وقد تكون القوة الحقيقية ليست في أن لا نتألم، بل في أن نستمر رغم الألم، وأن نحافظ على إنسانيتنا رغم ما مررنا به.
فليس كل مبتسم سعيدًا، وليس كل صامت بخير، فبعض الأوجاع تُحكى بالعيون، وتُرسم بالابتسامات، وتسردها الملامح دون أن تنطق بكلمة واحدة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى