كتاب الرأي

لمن نمنح قلوبنا.

‫أقلام أيقونات الكمبيوتر ، شعار القلم, زاوية, قلم رصاص png‬‎ناصرمضحي الحربي

لم يعد السؤال ترفاً، فالحكايات التي تتكاثر حولنا لم تعد مجرد وقائع عابرة، بل صارت مرآةً قاسية تكشف ما آل إليه حالنا في زمنٍ تبدّلت فيه المعايير بسرعة لافتة. 
الجميع يتذمّر، والجميع يشتكي، لكنّ أحداً لا ينجو من هذا – الواقع – واقعٌ لم نعد نقف على أطرافه، بل غرقنا في عمقه حتى آخر الإحساس.
تسمع القصة فتظنها بعيدة، تفتح لها أذناً وتغلق أخرى، ثم لا تلبث أن تجد نفسك داخلها… تعيش تفاصيلها، وتكتشف أن ما كان يُروى لم يكن سوى تمهيدٍ لما ستختبره بنفسك. 
عندها فقط تدرك أن التغيّر لم يطرق الأبواب بل اقتحمها من كل الجهات، وأننا انجرفنا معه دون أن نسأل: إلى أين؟
صورٌ دخيلة – سلوكيات طارئة – أصبحت مع الوقت مألوفة، بل وربما مقبولة – ومع التكرار تحوّلت إلى نمط حياة – وهنا يكبر السؤال: أي واقع هذا الذي نعيش؟ وأي إنسان صرنا؟
تحسن فيُساء إليك، وتثق فيُخذل ظنك، وتمنح من قلبك فيُلقى عطاؤك حيث لا يليق به، مفارقات مؤلمة تختصر المشهد كله  كأن الإحسان بات مغامرة .. وكأن الطيبة تُدفع ثمنها مقدماً.
ورغم ذلك، يبقى فينا شيء لا يتغير… نزعة العطاء.
تضحي لأنك هكذا خُلقت، لأن جذورك ممتدة في تربة الوفاء، لا لأن الآخرين يستحقون دائماً !!، تبادر- تساعد – تقدّم، وربما تضع غيرك قبل نفسك دون حساب.
لكن الصدمة تأتي من حيث لا تتوقع؛ من أولئك الذين منحتهم مكاناً في قلبك، فإذا بهم يردّون الجميل جحوداً، ويقلبون المواقف حتى تبدو أنت المخطئ.
هناك، تتوقف…تسأل: لماذا؟ ولأجل من؟ وهل كل هذا يستحق؟
ليس الألم في الخذلان وحده، بل في انقلاب المعايير؛ حين تصبح – التضحية سذاجة، والوفاء ضعفاً – والصدق عبئاً – ومع كل صفعة، يتآكل شيء في داخلك… ليس لأنك أخطأت، بل لأنك كنت صادقاً أكثر مما ينبغي.
ومع ذلك، لا تنطفئ فينا الرغبة في الدفء… يأتي الشتاء مثقلاً بهمومه، لكنه يحمل أيضاً شيئاً من الحنين، يوقظ فينا تفاصيل قديمة، ويعيد ترتيب مشاعرنا، بين بردٍ يلسع وأملٍ يتخفّى.
في صباحاته الباردة، تغتسل الأرواح، وتبحث القلوب عن معنى جديد لما فقدته.
هناك، عند حافة الليل، نقف… نراجع ما تبقى: بقايا حلم، وفتات فرح، وذاكرة مثقلة بالخيبات – مسافرٌ فينا يحمل وجع رحلته، يتأمل ما زرع، وما خسره، وما لم يعد كما كان.
ويبقى السؤال معلقاً، لا يطلب جواباً بقدر ما يطلب صدقاً: ما الذي يستحق أن نحمله معنا في الطريق؟ ومن الذي يستحق أن نُبقي له مكاناً في القلب.؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى