كتاب الرأي

قراءة في “لمحات تاريخية”: مئوية الوفاء ومسك ختام المشيقح

يطل علينا برنامج “لمحات تاريخية”، الذي يقدمه الزميل الأستاذ صالح الصقعبي، كعمل إعلامي استثنائي نضج على نار هادئة من الدعم والتشجيع والرؤية السديدة لسعادة الدكتور الأديب عبد الرحمن بن عبد الله المشيقح. هذا البرنامج الذي جعل من استضافة المخضرمين جسراً يربط بين عراقة الماضي وحيوية الحاضر، وصل بزهوٍ إلى حلقته المئة، ليكون “مسك الختام” فيها لقاءً مختلفاً كلياً، استضاف فيه البرنامج عرّابه وملهمه الدكتور عبد الرحمن المشيقح.

لقد كان هذا اللقاء مرتقباً بشغف، فالحديث مع قامة كالدكتور عبد الرحمن ليس مجرد عابر سبيل في محطات الكلام؛ إنه إبحار في عالم من الثقافة والأدب والمعرفة. هو رجل يقود دفة الحديث بثقة العالم المحقق وخبرة المثقف المتأصل، مما يجعل المستمع يجد نفسه أمام رصيد معرفي هائل وتجربة إنسانية ثرية تستوجب الإصغاء العميق والتأمل الطويل.

إن هذا اللقاء الذي توّج ختام سلسلة “لمحات تاريخية” عكس قيمة العمل الجاد الذي قدمه الأستاذ صالح الصقعبي طوال سنتين وأكثر. ورغم أنني قد لا أكون أحطت بكل الحلقات، إلا أن ما تابعته من جلّ تفاصيلها كشف لي عن مشروع إعلامي رصين يعيد قراءة التاريخ بأسلوب قريب من الوجدان، ويقدم المعلومة بطرح هادئ يجمع بين المتعة والفائدة.

ومما يستحق الوقوف عنده إجلالاً، ما كشفه مقدم البرنامج عن الدور المحوري للدكتور عبد الرحمن المشيقح، الذي لم يكتفِ بالدعم المادي، بل كان خلف هذا العمل برؤيته وإيمانه بضرورة توثيق التاريخ ونقله للأجيال. إن هذا الدعم يجسد إيماناً صادقاً بقيمة الكلمة المسؤولة، وبالدور الذي يجب أن يضطلع به الإعلام حين يكرس لخدمة الوطن والمعرفة.

والحديث عن الدكتور عبد الرحمن لا يستقيم بوصفه اسماً مجرداً، بل هو حديث عن رجل عرفناه وعايشناه وجلسنا في رحابه، ولمسنا صدق أعماله؛ الظاهر منها والخفي. فحين ينساب حديثه عن الوطن، تدرك أنك أمام حب عذري صادق، وتلمح الوطنية في مفرداته ومجالسه وكتاباته، حتى ليخيل للمستمع أن الانتماء لهذا التراب جزء لا يتجزأ من تكوينه الفكري والنفسي.

لقد وضع الدكتور عبد الرحمن بصمته في رسم مسار البرنامج، مقترحاً أن يمتد ليشمل الماضي والحاضر والمستقبل. وهي رؤية ذات أبعاد غائرة؛ فالماضي يحمل قصة الكفاح والبدايات، والحاضر يجسد التحولات الكبرى، والمستقبل هو الأفق الرحب الذي تمضي إليه المملكة بخطى واثقة تحت ظلال رؤية 2030 التي أطلقها سمو سيدي ولي العهد – حفظه الله – والتي غدت منجزاتها واقعاً ملموساً يشهده القاصي والداني.

كما يجرنا الحديث عن الدكتور إلى تاريخ أسرة “المشيقح” العريقة، التي ارتبط اسمها بالولاء والوفاء منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – طيب الله ثراه. فكانت لهذه الأسرة مكانتها في منطقة القصيم، وكان الملك المؤسس يقدر رجالها ويشاورهم، في امتداد تاريخي يبرهن على عمق اللحمة بين القيادة وأبناء الوطن.

وفي ثنايا اللقاء، وحين سُئل عن عطاءاته المستقبلية، جاءت إجابته لترسم فلسفة حياته؛ حيث أكد أن المرء لا يليق به الإكثار من الحديث عما سيفعل، بل عليه أن يعمل ويترك أثر العمل هو من يتحدث. وقد رأينا شواهد ذلك العطاء واقعاً؛ من دعم للمكتبات، وتأسيس فصول للموهوبين، وأوقاف علمية، ودعم للجامعات، وصولاً إلى مؤلفاته التاريخية الرصينة. وتظل “مسابقة الدكتور عبد الرحمن المشيقح الأدبية “ علامة فارقة في الحراك الثقافي، متجاوزة في أثرها الحدود المحلية لتصبح منارة للمثقفين والأدباء.

ختاماً، لقد كانت تلك الحلقة استثنائية بكل المقاييس، وكم تمنيت لو طال أمدها لننهل أكثر من فكر هذا الرجل الألمعي الذي يقدم نموذجاً حياً للمواطن الذي يخدم وطنه بالعمل لا بالقول فحسب. إن “لمحات تاريخية” لم يكن مجرد برنامج تلفزيوني، بل كان نافذة أطلت بنا على مسيرة وطن ورجال أوفياء، ليبقى التاريخ حياً في ذاكرتنا، ويظل المستقبل مشرقاً بسواعد الأجيال القادمة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى