كتاب الرأي

رغيف “حصة” يقتل “رزقان”


شمس الظهيرة تبث اشعتها الحارقة في ارجاء الشارع العام..السيارات تمر بسرعة رهيبة.. أطفال المدرسة المجاورة يجدون صعوبة بالغة في عبور الطريق سيدة عجوز عرفت باسم “حصة” تسكن بيتاً قديم متهالك تجاوزت السبعين من عمرها تقف على الرصيف المجاور.. ظروف قاهرة اجبرتها على السكن هنا تزوج ابنها الوحيد وتركها بعدما رفضت زوجته ايواء امه ونأی مكانه.. فلم تعد تراه تقبع “حصة” امام الشارع وهي تجرجر عباءتها العتيقة الجوع أنهكها.. نظرها الضعيف يجعلها تتردد في العبور نحو المخبز القريب في الجانب الآخر.. تضع رجلا في مقدمة الشارع تمر سيارة مسرعة فتعود أدراجها تهم بتكرار المحاولة تمر سيارة أخرى فتنثني .. تقف فترة من الوقت في حيرة من أمرها تسمع صوتا رقيقا يقول لها : هل يمكنني تقديم المساعدة ياأمي ؟ تثير اشجانها الكلمة الأخيرة.. تحبس دمعة تجمعت في مقلتيها فتمسحها بطرف عباءتها. تتجه بعينيها المتعبتين جهة الصوت تتفحص بنظراتها.. فاذا هو صبي يحمل حقيبة وقد خرج لتوه من المدرسة .. تخاطبه وهي تحاول انتزاع ابتسامة من شفتيها ابني اريد الجهة الأخرى من الشارع .. بكل سرور هيا بنا.. قال ذلك الصبي رزقان مغتبطا وقد امسك بيدها ليعبر بها الشارع .. اما هي فقد ذكرها رزقان بابنها ايام صباه،، تستعيد شريط ذكرياتها معه..تستغرق في التفكير لم تنتبه الا على كلمات رزقان وهو يضغط على يدها لقد وصلنا ياأمي . هل تريدين خدمة اخرى ؟
تظل ممسكة بيده بعدما استشعرت معه الامان وهي تقول له : نعم يابني، اريد رغيفا من المخبز القريب .. انتظر حتى اعطيك النقود تدخل يدها في جيبها .. تبحث عن ريال او ريالين.. تتحسس جيبها بحرص.. وتفتش في الجيب الآخر.. لم تجد شيئا.. تلتفت نحو رزقان .. تخاطبه بأمي : بإمكانك الانصراف ياولدي الآن.. فلقد نسيت نقودي في البيت في.. امان الله.. تدير ظهرها لتنصرف يناديها الصبي (رزقان) انتظري.. انتظري.. ينزل حقيبته من على ظهره.. يفتحها.. يخرج من داخلها ريالا فيمده الى المرأة ويقول : هذا ریال ساذهب به للمخبز واتيك بالخبز.. تنهمر الدموع من عينيها تشيح بوجهها عنه حتى لايراها تبكي.. يدير ظهره وهو يحث خطأه باتجاه المخبز فيحضر الرغيف. يضعه في يدها تمسكه بيدها المرتعشة.. ثم تلتفت نحو رزقان فتخاطبه بصوت يمتزج بالبكاء .. ساخذ منك بشرط.. بشرط ان تاتي.. الى هنا.. غدا.. كي اعيد اليك ريالك.. يهز رزقان راسه والابتسامة تملأ وجهه نورا .. يقول بلهجة الفرج سأذهب لاخبر امي بهذا العمل.. ستفرح كثيرا .. يحمل رزقان حقيبته على عجل.. يجري بكل سرعته تجاه بیت اهله.. بينما ترفع “حصة” عينيها تجاه السماء.. تتمتم بالدعاء .. برهة من الوقت تمر العجوز في تمتمتها – يفزعها صوت كوابح سيارة طائشة تلتفت مذعورة جهة الصوت يفاجأها رزقان يتدحرج وسط الشارع مضرجا بدمائه.. وهناك.. على الرصيف الآخر تبعثرت محتويات الحقيبة ؟ !!

 

إعداد وتأليف / ناصرمضحي الحربي  –  الاحد 1445/1/5

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى