الدرعية: ميثاق العز وفجر التأسيس.
بقلم – ناصرمضحي الحربي
من قلب “الدرعية” الضارب في جذور التاريخ، انبعثت شرارة المجد الأولى حين أرسى الإمام محمد بن سعود دعائم التأسيس، معلناً بزوغ فجر بلادٍ كُتب لها العز في لوح الأقدار. لم تكن تلك البداية مجرد تأسيس لكيان سياسي عابر، بل كانت وقفة شموخٍ في وجه عواصف الزمان؛ حيث حمل الإمام الأمانة الثقيلة يوم احتدم وطيس التحديات، فبدد بفروسيته وحكمته سحب القلق التي كانت تخيم على الجزيرة العربية، لترتقي الأمجاد في عهده إلى ذرىً لم تعهدها المنطقة من قبل.
لقد كان عهد التأسيس معركةً واعية ضد التيه، حيث قاد الإمام حملةً كبرى للقضاء على الأوهام وتبديد ظلمات التدليس التي شوهت نقاء الفطرة في زمنٍ سلك فيه الناس مفاهيم وهمية بعيدة عن الحق. وبإيمانٍ راسخ، كرس الإمام العمل بالشرع القويم، فجعل كتاب الله وسنة نبيه الدستور الذي تُبنى عليه الصروح، والمنهج الذي تتقاطع عنده السبل، فبارك الخالق في هذا البناء الذي اتخذ من الوحي نبراساً وهادياً.
ولم يغفل القائد الملهم عن إرساء قواعد النظام المؤسسي الذي يحمي الإنسان والوطن، فشيّد “نظام العسة” وسنّ القوانين التي تضمن الاستقرار، حتى ساد الأمن والأمان في ربوع الأرض بفضل رب البرية، وتحولت الفيافي الموحشة إلى واحات طمأنينة تسير فيها القوافل لا تخشى إلا الله. إن التاريخ الذي تشهد عليه “العيس” والركائب التي طوت الفيافي بسلام، يروي قصة كفاحٍ وبناء لا تزال أصداؤها تتردد في جنبات الحاضر.
واليوم، ونحن نقف على هذه الأرض الصلبة، يفيض الوجدان فخراً باسم “السعودية”؛ هذا الاسم الذي لم يعد مجرد هوية وطنية، بل رمزاً لمسيرةٍ بدأت بصدق النية وعظمة التأسيس، واستمرت لتكون منارةً للعز والمجد في قلب العالم، مستمدةً قوتها من ماضٍ عريق وحاضرٍ يطاول الثريا.

