رمضان… شهر القرآن وبدر الانتصار
بقلم – ناصرمضحي الحربي
مع كل هلالٍ يلوح في الأفق، وتتعالى تكبيرات المساجد في ليلٍ تزداد نجومه صفاءً، يدخل علينا شهر رمضان المبارك، فيستيقظ في الأرواح شيءٌ قديم يشبه الطمأنينة الأولى، ويغتسل القلب من صخب الأيام، كأن الزمن يمنحنا فرصة أخرى لنولد من جديد.
رمضان… الشهر الذي أنزل فيه القرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.
فيه تنفتح نوافذ السماء على الأرض، وتُضاء المصابيح في الصدور قبل البيوت، وتتحول آيات القرآن إلى أنفاسٍ يومية، نتلوها فنشعر أنها تتلو علينا أخبار قلوبنا، وتعيد ترتيب فوضى الداخل.
هو شهر الرحمة التي تسبق الغضب، والخير الذي يسبق السؤال، والعطاء الذي لا ينتظر مقابلاً في لياليه تختلط دموع التائبين بخشوع القائمين، وتتعانق أكفّ الفقراء وأهل الإحسان على موائد تمتدّ من بيوتٍ متواضعة إلى قصورٍ شاهقة، لكن القلوب فيها سواء؛ كلها تبحث عن مغفرة، وعن رضًا، وعن لحظة صفاء لا يشوبها شيء.
غير أن رمضان ليس فقط شهر عبادة وسكون، بل هو أيضاً شهر عزيمة وانتصار- ففي السابع عشر من رمضان، وقعت غزوة غزوة بدر، تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ الإسلام، حين خرج النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، وعددهم قليل وعدتهم يسيرة، لكن يقينهم كان أثقل من السيوف، وإيمانهم أرسخ من الجبال.
كانت بدر درساً خالداً في أن القوة ليست بعددٍ ولا عتاد، بل بثبات العقيدة وصدق التوجه – هناك، في رمال الصحراء، كتب التاريخ صفحةً مضيئة، وأثبت أن رمضان شهر صناعة الرجال، لا شهر فتورهم، وأن الصيام لا يضعف الإرادة بل يصقلها، ولا يطفئ الروح بل يشعلها نوراً.
إن تأملنا في بدر ونحن نستقبل رمضان، ندرك أن المعركة الكبرى ليست دائماً خارجنا، بل كثيراً ما تكون في دواخلنا: معركة مع النفس، مع الشهوة، مع الغفلة، مع تراكم الذنوب. وفي كل عام، يمنحنا رمضان فرصة لخوض هذه المعركة بثقة، مستندين إلى قرآنٍ هادٍ، وسيرةٍ ملهمة، وتاريخٍ يشهد أن الصادقين لا يُخذلون.
رمضان ليس شهراً عابراً في الروزنامة، بل محطة مراجعة، وورشة إصلاح، وموسم حصادٍ روحي. هو ضيفٌ كريم، إن أحسنّا استقباله أكرمنا، وإن ودّعناه بقلوبٍ أنقى كان لنا شاهداً لا علينا.
فليكن دخول هذا الشهر دخولاً مختلفاً؛ ندخله بوعيٍ لا بعادة، وبعزيمةٍ لا بتكرار، وبقلوبٍ تستحضر معنى أن القرآن أنزل فيه ليُغيّر وجه الحياة، لا ليُتلى فحسب ولنجعل من ذكرى بدر وقوداً لثباتنا، ومن لياليه جسوراً نعبر بها إلى رحمةٍ أوسع، وخيرٍ أعم، وإيمانٍ أرسخ.
هكذا يكون رمضان… شهر القرآن، شهر الرحمة، وشهر الانتصار على النفس قبل كل شيء.
الأربعاء 1447/9/1
وقع الحدث – كتاب الرأي – / ناصرمضحي الحربي

