ميدان الحدث

جاسم البديوي لـ وقع الحدث: أمن دول مجلس التعاون خط أحمر… والدبلوماسية تبقى الخيار الأول.

حوار خاص

الخليج تجاوز مرحلة ردود الأفعال… ونبني اليوم منظومة إقليمية أكثر قوة في مواجهة المتغيرات
الاعتداءات الإيرانية عززت تماسك دول المجلس… وأمن مضيق هرمز مسؤولية دولية
الحوار هو خيارنا الاستراتيجي… لكن أمن دول الخليج خط أحمر لا يقبل المساومة

حاوره: ناصرمضحي الحربي

في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، تتجه الأنظار إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية باعتباره أحد أهم النماذج الإقليمية القادرة على إدارة الأزمات وتعزيز الاستقرار.
وفي هذا الحوار الخاص مع «صحيفة وقع الحدث»، يفتح معالي الأستاذ جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ملفات شائكة تتعلق بالأمن الإقليمي، ومستقبل التكامل الخليجي، والاعتداءات الإيرانية، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وفرص الاستثمار، والشراكات الدولية، مؤكداً أن دول المجلس تجاوزت مرحلة التنسيق التقليدي إلى مرحلة العمل الخليجي المشترك القائم على التخطيط الاستراتيجي، وأن مستقبل المنطقة لن يُبنى إلا بالحوار والتنمية والتكامل.

معالي الأمين العام… تشهد المنطقة متغيرات متسارعة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، كيف تقرأون هذه المرحلة؟
■■ نحن أمام مرحلة مختلفة تماماً عن المراحل السابقة، إذ لم تعد التحديات تقتصر على الجوانب الأمنية، وإنما أصبحت تمس الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة والاستثمار والأمن الغذائي والتحول الرقمي.
ولهذا فإننا في مجلس التعاون ننظر إلى هذه المتغيرات باعتبارها فرصة أيضاً لإعادة صياغة مفهوم التعاون الإقليمي، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية، وبناء منظومة أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.
اليوم لم يعد الترابط الإقليمي خياراً تنموياً أو اقتصادياً فقط، بل أصبح ضرورة استراتيجية ترتبط بالأمن والاستقرار وازدهار شعوب المنطقة.

كثيرون يتحدثون عن التكامل الخليجي… أين وصل هذا المشروع بعد أكثر من أربعة عقود؟
■■ الحقيقة أن ما تحقق خلال العقود الماضية كبير جداً، وربما لا يدركه الكثيرون.
لقد نجحت دول مجلس التعاون في بناء مؤسسات خليجية مشتركة أثبتت كفاءتها، وأسست منظومة متقدمة في مجالات الاقتصاد والأمن والدفاع والطاقة والنقل والتشريعات.
ولذلك فإننا لا نبدأ اليوم من الصفر، بل نبني على قاعدة صلبة من الإنجازات، ونسعى إلى نقل العمل الخليجي من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل الحقيقي في المشاريع الكبرى.

هل أثبتت الأحداث الأخيرة صلابة هذه المنظومة الخليجية؟
■■ بلا شك – الاعتداءات الإيرانية الأخيرة كانت اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على العمل المشترك.
وأستطيع القول إن ما حدث أثبت للعالم أن دول مجلس التعاون تمتلك مؤسسات قوية، وآليات تنسيق عالية الكفاءة، وقدرة كبيرة على اتخاذ القرار بصورة جماعية.
كما أثبتت القوات المسلحة الخليجية جاهزيتها العالية وكفاءتها في التعامل مع مختلف التهديدات، وهو ما يعكس حجم التطور الذي وصلت إليه منظومة الدفاع والأمن الخليجية.

وصفتم الاعتداءات الإيرانية بأنها انتهاك للقانون الدولي… كيف تنظرون إلى الموقف الدولي؟
■■ الموقف الدولي كان واضحاً – قرار مجلس الأمن بإدانة الاعتداءات يمثل محطة مهمة، لأنه يعكس إجماعاً دولياً على رفض استهداف دول مجلس التعاون، ورفض أي انتهاك للقانون الدولي أو القانون الإنساني.
ونحن نرحب بكل موقف دولي يعزز الأمن والاستقرار، ويؤكد احترام سيادة الدول.

في المقابل… هل ما زالت الدبلوماسية هي الخيار الأول لدول المجلس؟
■■ هذا موقف ثابت لا يتغير – دول مجلس التعاون كانت ولا تزال تؤمن بأن الحوار هو الطريق الأقصر لتحقيق الأمن والاستقرار.
لقد عملت دول المجلس طوال السنوات الماضية على تقريب وجهات النظر، وبذلت جهوداً كبيرة لخفض التوترات، وما زالت تتحرك مع المجتمع الدولي لاحتواء التصعيد.
لكن في الوقت نفسه، فإن حماية أمن دول المجلس وسيادتها أمر غير قابل للمساومة.

إيران تقول إن عملياتها جاءت في إطار الرد على تطورات أخرى في المنطقة… كيف تردون؟
■■ موقفنا واضح منذ البداية – لقد أكدنا أكثر من مرة أن أراضي دول مجلس التعاون لن تكون منطلقاً لأي عمل عدائي ضد إيران أو غيرها، وقدمنا الضمانات اللازمة بهذا الشأن، لكن هذا لا يمنح أي طرف الحق في استهداف دول المجلس أو تعريض أمن شعوبها للخطر.

كيف تنظرون إلى إغلاق مضيق هرمز وما يمثله للاقتصاد العالمي؟
■■ مضيق هرمز ليس ممراً خليجياً فقط. إنه شريان رئيسي للاقتصاد العالمي، أي اضطراب في الملاحة البحرية ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وحركة التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، والأسواق العالمية، لهذا فإن حماية الممرات البحرية مسؤولية دولية مشتركة، وليست مسؤولية دول المنطقة وحدها.

تحدثتم كثيراً عن الترابط الإقليمي… ماذا تقصدون عملياً؟
■■ نحن نتحدث عن مشاريع حقيقية على الأرض – الربط الكهربائي الخليجي، وشبكات النقل متعددة الوسائط، والممرات اللوجستية، والتكامل في الطاقة، والبنية الرقمية العابرة للحدود، والأمن الغذائي، وربط الأسواق الخليجية.
هذه ليست أفكاراً نظرية، وإنما مشاريع استراتيجية تعزز تنافسية المنطقة وتجذب الاستثمارات وترفع جودة الحياة.

هل تعتقدون أن المنطقة قادرة على جذب استثمارات أكبر رغم الأوضاع الحالية؟
■■ بكل تأكيد – المستثمر يبحث عن الاستقرار، والشفافية، والبنية التحتية، والفرص، ودول مجلس التعاون تمتلك هذه العناصر مجتمعة، كلما توسعت مشاريع التكامل الإقليمي، أصبحت المنطقة أكثر جاذبية لرؤوس الأموال العالمية والصناديق السيادية والمؤسسات المالية الدولية.

ماذا عن الأمن الغذائي والطاقة والتحول الرقمي؟
■■ هذه ملفات مترابطة – العالم اليوم يتحدث عن الأمن الاقتصادي بمفهومه الشامل، وهذا يشمل الغذاء والطاقة والاتصالات والاقتصاد الرقمي، لهذا نعمل على تطوير منظومة خليجية متكاملة تضمن استدامة هذه القطاعات، وتقلل من تأثير الأزمات العالمية عليها.

ما الذي تنتظرونه من الندوات واللقاءات التي تنظمها الأمانة العامة؟
■■ هدفنا ليس مجرد النقاش – نريد أن تتحول الأفكار إلى مشاريع، وأن تخرج التوصيات إلى مبادرات قابلة للتنفيذ، تسهم في تحقيق التنمية، وتعزز التعاون الإقليمي، وتوفر فرصاً اقتصادية حقيقية.

كيف تقيمون الشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؟
■■ هي شراكة مهمة تقوم على رؤية مشتركة لتطوير العمل الإقليمي، وتعزيز المرونة الاقتصادية، والاستفادة من الخبرات الدولية في تصميم المبادرات التنموية.
ونحن نقدر كثيراً هذا التعاون، ونتطلع إلى توسيعه خلال المرحلة المقبلة.

أخيراً… كيف تتصورون مستقبل مجلس التعاون خلال السنوات المقبلة؟
■■ أنا متفائل جداً – لدينا دعم غير محدود من أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس، ولدينا مؤسسات قوية، وشعوب تؤمن بالعمل الخليجي المشترك، ورؤية واضحة للمستقبل.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقال مجلس التعاون إلى مستويات غير مسبوقة من التكامل الاقتصادي والاستراتيجي، بما يعزز مكانة الخليج كقوة إقليمية فاعلة، وشريك موثوق في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى