من المجالس إلى الأسواق.. القهوة تصنع اقتصادًا بمليارات الريالات في السعودية.
وقع الحدث – اقتصاد
لم تعد القهوة في السعودية مجرد مشروب يرتبط بعادة يومية أو مناسبة اجتماعية، بل أصبحت قطاعًا اقتصاديًا متناميًا تتسع معه دائرة الاستهلاك والاستثمار والمنافسة، في وقت تواصل فيه المملكة ترسيخ حضورها كواحدة من أكبر أسواق القهوة في المنطقة، مدفوعة بثقافة اجتماعية راسخة ونمو سكاني واتساع متواصل في قطاع المقاهي والقهوة المختصة.
وكشف تقرير اقتصادي حديث صادر عن «صكوك كابيتال» أن المملكة تستهلك نحو 90 ألف طن من القهوة سنويًا، بمعدل يصل إلى قرابة 36 مليون كوب يوميًا، فيما يتجاوز إجمالي استهلاك الأفراد 13.1 مليار كوب سنويًا، بمتوسط شهري يناهز 1.08 مليار كوب، وهي أرقام تعكس حجم الطلب الكبير على القهوة ومكانتها المتقدمة في نمط الحياة اليومية للمجتمع السعودي.
وبهذه المستويات، تحتل المملكة المرتبة الثانية عربيًا في استهلاك القهوة، بينما يبلغ متوسط استهلاك الفرد نحو 2.55 كيلوجرام سنويًا، لتأتي السعودية في المرتبة الخامسة عشرة عالميًا من حيث متوسط استهلاك الفرد، في مؤشر يعكس اتساع قاعدة المستهلكين وقوة الطلب المحلي على هذا المنتج.
ولا تتوقف قصة القهوة عند أرقام الاستهلاك، إذ تشير التوقعات إلى أن السوق السعودية مقبلة على مرحلة جديدة من النمو، مع ارتفاع متوقع في قيمة سوق القهوة من نحو 1.14 مليار دولار في عام 2024 إلى 1.82 مليار دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي يبلغ 5.62 في المائة.
وفي الوقت ذاته، تسجل القهوة المختصة معدلات نمو أسرع، إذ يتوقع أن يرتفع حجم سوقها من نحو 950 مليون دولار في عام 2025 إلى 2.11 مليار دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي يصل إلى 10.5 في المائة، في ظل تغيرات واضحة في سلوك المستهلك واتساع الخيارات أمام محبي القهوة وتزايد انتشار العلامات التجارية والمقاهي المتخصصة.
وتكشف أرقام قطاع المقاهي وسلاسل القهوة بدورها عن حجم التحول الاقتصادي الذي يشهده النشاط، إذ يتوقع أن ترتفع قيمة السوق من 23.44 مليار ريال في عام 2023 إلى نحو 40.54 مليار ريال بحلول عام 2033، بما يعكس توسعًا كبيرًا في حجم الأعمال والاستثمارات المرتبطة بهذا القطاع.
ويتزامن هذا النمو مع ارتفاع ملحوظ في عدد المنشآت والأنشطة التجارية، حيث ارتفع عدد الرخص السارية للمطاعم والمقاهي بنحو 31 في المائة، ليصل إلى 119,902 رخصة خلال عام 2024، في وقت أصبحت فيه المنافسة أكثر حدة، بعدما قدر التقرير مستوى المنافسة في القطاع بنحو 90 من أصل 100.
ويعني هذا المستوى المرتفع من المنافسة أن السوق لم تعد مفتوحة أمام التوسع العشوائي، وأن النجاح أصبح مرتبطًا بقدرة المنشآت على تحقيق الكفاءة التشغيلية، وضبط التكاليف، وتحسين جودة المنتجات، وتعزيز تجربة العميل، وبناء علامات تجارية قادرة على الاستمرار، بدلًا من الاعتماد على زيادة عدد الفروع كمعيار وحيد للنمو.
وتشير التوقعات إلى استمرار ارتفاع الطلب على القهوة خلال السنوات المقبلة، مع إمكانية وصول استهلاك المملكة إلى نحو 107.5 ألف طن بحلول عام 2030، مدفوعًا بصورة رئيسية بالنمو السكاني، الذي يتوقع أن يسهم بنحو 80 في المائة من الزيادة المرتقبة في الطلب.
وفي موازاة نمو الاستهلاك، يتزايد الاهتمام بالإنتاج المحلي، حيث ارتفعت قيمة الإعانات الحكومية المقدمة لمزارعي البن من 11.9 مليون ريال في عام 2022 إلى 20.7 مليون ريال في عام 2023، فيما ارتفع عدد المزارعين المستفيدين من برامج الدعم إلى 1,933 مزارعًا.
ويأتي دعم قطاع زراعة البن في إطار تعزيز الإنتاج المحلي والحفاظ على الموروث الزراعي، خصوصًا البن الخولاني الذي يتمتع بمكانة ثقافية وتراثية، فيما يواصل القطاع المحلي البحث عن فرص أكبر للاندماج في سلسلة القيمة بدءًا من الزراعة والإنتاج وصولًا إلى التحميص والتصنيع والتسويق.
ورغم الانتشار الواسع للقهوة المختصة والمقاهي الحديثة، يؤكد التقرير أن هذا التوسع لم ينتقص من مكانة القهوة السعودية التقليدية، التي لا تزال حاضرة بقوة في المنازل والمجالس والمناسبات الاجتماعية، لتبقى القهوة جزءًا من الهوية الاجتماعية والثقافية، إلى جانب كونها منتجًا اقتصاديًا تتسع أسواقه عامًا بعد آخر.
وفي المقابل، يواجه القطاع مجموعة من التحديات التي قد تؤثر في قدرته على المحافظة على معدلات النمو، من أبرزها التغير المناخي، والاعتماد على الاستيراد، وتقلب الأسعار العالمية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التشغيل والإيجارات، وهي عوامل تفرض على المستثمرين والمنتجين البحث عن نماذج أكثر كفاءة واستدامة.
ويرى التقرير أن الفرصة الأبرز أمام المملكة تتمثل في الانتقال من كونها سوقًا استهلاكية ضخمة للقهوة إلى بناء منظومة إنتاجية متكاملة، عبر تعميق سلسلة القيمة المحلية وتوسيع الإنتاج الزراعي، وتطوير صناعة التحميص والتصنيع والتعبئة، وتعزيز حضور العلامات التجارية السعودية في الأسواق الإقليمية والدولية.
وتضع هذه المؤشرات القهوة أمام مشهد اقتصادي مختلف؛ فخلف عشرات الملايين من الأكواب التي تُستهلك يوميًا سوق تتسع بالمليارات، وفرص استثمارية تتنامى، ومنافسة تتصاعد، وصناعة محلية يمكن أن تتحول خلال السنوات المقبلة إلى أحد القطاعات الواعدة، خصوصًا مع توافر الطلب المحلي الكبير وتنامي ثقافة القهوة المختصة.
وبين استهلاك يقترب من 90 ألف طن سنويًا، وتوقعات ببلوغه 107.5 ألف طن بحلول 2030، وسوق للمقاهي وسلاسل القهوة مرشح للوصول إلى 40.54 مليار ريال بحلول 2033، تبدو القهوة في السعودية أكبر من مجرد فنجان يومي؛ إنها سوق اقتصادية تتشكل ملامحها بسرعة، وفرصة لتعزيز الإنتاج المحلي وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي لصناعة القهوة وتحميصها وتداولها.

