وداعًا مهنة المتاعب وسلامًا على الذين بقوا خلف العناوين!

بقلم- ناصر مضحي الحربي
لقد كانت مهنة الصحافة بالنسبة لي أكثر من مجرد وظيفة…
كانت شغفًا، ورسالة، ومسؤولية يومية لا تُؤجل، لا تعرف التوقيت، ولا تعترف بالإجازات.
هي مهنة المتاعب بحق، وقد عشتها بكل تفاصيلها:
ركضًا خلف الخبر، بحثًا عن الحقيقة، غوصًا في عمق التحقيقات، ووقوفًا على نبض الناس في الاستطلاعات.
كم من صباحٍ بدأته على عجل، وكم من ليلٍ ختمته على ورقة بيضاء لم تعرف النوم.
كنا نحمل أقلامنا كأنها بنادق، نحارب بها الزيف، وندافع بها عن المصداقية، ونحفظ بها للمهنة شرفها الذي لا يُساوم.
لكن .. كل شيء له وقته، وله محطة أخيرة.
وأنا اليوم أقف عند هذه المحطة، أنظر إلى الوراء بقلبٍ ممتن، وإلى الأمام بروح قررت أن تستريح.
القرار لم يكن سهلاً، بل انتزع من داخلي جزءًا من الروح، لكنني آثرت أن أودّع قبل أن تودّعني المهنة نفسها ، ليس ضعفًا، ولا تراجعًا، وإنما احترامًا لتاريخٍ طويل، لا أريده أن يُشوَّه بتكرار لا جديد فيه، أو بتعب لا يحتمل المزيد.
وليس من السهل أن تكتب نهاية الرحلة، خاصة حين تكون الرحلة محفوفة بالشغف والتضحيات، وحين تكون الكتابة نفسها هي وسيلة العبور نحو المعنى والحقيقة، لا مجرد مهنة. ومع ذلك، ها أنا أكتب، لكن هذه المرة لا أبحث عن خبر عاجل، أو تقرير تحقيقي، أو حوار من العيار الثقيل… بل أكتب لأودّع.
كيف يمكن ليدٍ قضت عمرها تمسك القلم، أن تضعه أخيرًا على الطاولة وتُسلّمه للصمت؟
كيف ينسحب صحفيٌّ من معركة الكلمة، وهو الذي قضى عمره واقفًا في وجه الزيف، يلاحق الحقيقة كمن يلاحق الضوء في آخر النفق؟
ها أنا أفعلها أخيرًا.
أكتب لا.. لأسرد خبرًا، ولا.. لأفتش في السطور عن سبقٍ صحفيّ، بل لأُعلن وداعًا أخيرًا، مليئًا بكل ما لا يُقال في عناوين الصفحة الأولى.
وداعًا لمهنة المتاعب، تلك التي كانت بالنسبة لي أكثر من مهنة، وأبعد من مجرد وظيفة-كانت معركتي، وحُلمي، ونافذتي إلى العالم- كانت سجني الجميل، وحريتي التي دفعت لها من راحتي ومن عمري ومن صحّتي الكثير.
وداعًا لكل الأحبّة، والزملاء، والرفاق الذين تقاطعنا معهم في ردهات التحرير، وتحت أضواء المكاتب الباهتة، وخلف شاشات الحواسيب التي لا تنام.
وداعًا لكل من تشاركنا معهم الهمّ الصحفي، وألم التصحيح، وقلق الطباعة، وملاحقة القصص الموجعة.
وداعًا لرفاق دربي في صحيفة “وقع الحدث الإخبارية”
التي كانت لي بيتًا حقيقيًا، وساحةَ نزالٍ مهنيّ، ومحرابَ صدقٍ وتجرِبة، خطوتُ في أروقتها خطاي الواثقة، وكتبتُ في صفحاتها سيرة من الحبر والوجدان.
تحت إدارة وتوجيهات الأخ العزيز، والزميل الشريك في بناء الاستراتيجية والتأسيس، الأستاذ رزقان بن حمود العبدلي، الإعلامي القدير الذي جمع بين أصالة الحرف ورحابة الفكرة، وامتدت مسيرته من أعمدة الصحافة الورقية إلى فضاءات الإعلام الرقمي، في رحلة وفاء للمهنة، قلّ أن نجد نظيرًا لها.
ولا يفوتني أن أنحني تقديرًا لرفيق الدرب، ورئيس التحرير، الأستاذ الدكتور منصور الغامدي ، الذي يمثل طرازًا نادرًا من الكفاءات الإعلامية، بأدائه الرصين، وحنكته التي فرضت احترامها في الأوساط الصحفية، فكان حضورُه علامةً فارقة في مسيرة الصحيفة ومهنية الحرف.
لقد اتخذت قراري هذا عن قناعة تامة، ورضا كامل. لا ندم، ولا تردّد. لقد آن الأوان لأُسلّم الراية، لا انكسارًا، بل احترامًا للعمر، واعترافًا بأن الإنسان لا يُقاس فقط بما يعطي، بل أيضًا بما يحفظ لنفسه من حقّ الراحة، والسكينة، والاختلاء بمن يحبّ.
أغادر هذه المهنة التي طالما أوغلت في روحي، تاركًا خلفي سنوات طويلة، حافلة بالقصص، والحوارات، والانكسارات، والانتصارات الصغيرة التي لا تُدوّن في السجلات، لكنها تبقى في الذاكرة كأوسمة خفية.
لقد عشتُ الصحافة بكل جوارحي. وعشتُ تقلباتها: من مجد الورق إلى فوضى المنصات، ومن وضوح الحقيقة إلى عصور الضباب والارتباك.
شهدتُ انهيار معايير، وصعود موجات، ورأيتُ كيف بات الصوت المهني يُغرقه ضجيج المؤثرين، وكيف صارت “المعلومة” تُباع في السوق، ويُساوم عليها كما يُساوم على رغيف الخبز.
لكن رغم كل هذا، لم أفقد يومًا إيماني بأن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن الصحفي النزيه – وإن خسر الشاشة – لا يخسر ضميره.
فكم من مناسبة عائلية غبتُ عنها لأني كنت ألاحق خبراً؟ كم من مرضٍ تجاهلته لأن “العدد لا ينتظر أحداً”؟ كم من لحظة صمت أو صلاة أو صفاء فوتّها لأني كنت في قلب الزحام؟
أعلم أن كثيرًا من الزملاء سيقرؤون كلماتي هذه ويتفهمون، لأنهم يعرفون الثمن الحقيقي للمهنة… الثمن الذي لا يُذكر في السير الذاتية، لكنه يُحفر في العيون المتعبة، وفي أرواح الصحفيين حين يعودون ليلاً إلى منازلهم مثقلين بالحقيقة والخذلان معاً.
ولمن يسأل: ماذا بعد؟
الجواب بسيط… بعد كل هذا العطاء، أبحث عن معنى جديد، وهدوء آخر، وتفرغ لما هو أفيد وأنفع لي، ولمن أحب. ربما سأكتب، نعم، لكن لا كما كنت أكتب. سأكتب لنفسي، وللحياة، وربما لن أكتب إطلاقاً. المهم أنني سأعيش كما لم أستطع من قبل.
واليوم، أختار أن أعود إلى نفسي، إلى أسرتي، إلى عالمي الداخلي الذي تأخّر كثيرًا في الانتباه له.
أختار أن أُرمم ما تصدّع من جسدي وروحي في محراب الخبر العاجل، وأن أُعيد ترتيب حياتي بما يليق بإنسان عاش أعوامًا وهو يؤجل نفسه.
فما زلتُ مؤمنًا أن الكلمة لها سلطة، وأن القلم لا يُكسر، لكنه أحيانًا يستحق أن يستريح.
وسأكتفي في المرحلة المقبلة بأن أكون قارئًا متأمّلًا، أو كاتبًا بلا موعد نشر، أو عابرًا سعيدًا لا يسأله أحد: “هل لحقت بالخبر؟”
إلى زملائي الذين لا يزالون على الجبهة:
كونوا رحماء بأنفسكم، قبل أن تكونوا أمناء على مهنة الرحمة فيها نادرة، لا تسمحوا لوهج العناوين أن يُطفئ وهج أرواحكم، واعلموا أن أكثر ما يخسره الصحفي ليس الخبر، بل ذاته حين ينسى نفسه في الزحام.
وقبل الختام…
أرفع قلمي – وربما للمرة الأخيرة – لأكتب لا خبراً ولا تحقيقاً، بل كلمة وفاء وشكر لكل من رافقني في هذه المسيرة.
إلى زملائي الأعزاء، شركاء المهنة والموقف، أولئك الذين تقاسمنا معهم اللحظات الصعبة والإنجازات الحلوة، لكم مني كل الامتنان.
لكل رئيس تحرير منحني ثقته، ولكل محرر تشاركنا الميدان، ولكل مصوّر وقف في العتمة ليلتقط لنا النور، أنحني احترامًا وامتنانًا.
إلى من قرأ لي حرفاً، أو علّق، أو انتقد، أو صوّب، فأنتم من صنعتم قيمة ما كتبت.
وفي الختام…
وداعًا لكل الأحبة… وداعًا لمهنة المتاعب، التي أتعبت القلب، لكنها صنعت منه إنسانًا لا يُنسى وسلامٌ على كل حبر سال صدقًا، وسلام على الذين ما باعوا أقلامهم، وسلام أخير… على من يتذكّرني إذا رأى مقعدي خاليًا.
أما أنا…
فأغادر لا منكسرًا، بل ممتنًا… أغادر لا متعبًا، بل مكتفيًا… أغادر لا لأهرب، بل لأبدأ حياة جديدة، لم يكن لها متسع في زحمة “العاجل” و”الخاص” و”الحصري”….أغادر المهنة، لا نادمًا ولا متبرمًا، بل شامخًا بما قدّمت، وممتلئًا باعتزاز لا يخفت… وسيبقى الحنين للورق وللضجيج النبيل في داخلي، كشاهدٍ على زمنٍ جميل، كنت فيه أحد أبناء مهنة لا تعرف الهزيمة.
** مشرف عام – سابقاً – صحيفة وقع الحدث الإخبارية



