الوحدة في زمن التواصل

بقلم أ. غميص الظهيري
نعيش اليوم في أكثر العصور اتصالًا، ومع ذلك يبدو أن الوحدة أصبحت أكثر حضورًا في حياتنا. هواتفنا لا تهدأ، ورسائلنا لا تنقطع، وصفحاتنا ممتلئة بالأصدقاء والمتابعين، لكن خلف هذا الزحام الرقمي قد يسكن شعور عميق بأننا نفتقد شيئًا لا تمنحه كثرة الاتصالات.
لقد قرّبتنا وسائل التواصل الاجتماعي من أشخاص بعيدين، لكنها في الوقت نفسه جعلت التواصل أكثر سرعة وأقل عمقًا. نعرف أخبار الآخرين، نرى صورهم، نتابع تفاصيل أيامهم، ونشاركهم اللحظات العابرة، لكننا كثيرًا ما نجهل ما يحدث في أعماقهم. قد نرى ابتسامة في صورة، ولا نعرف الحزن الذي تخفيه، وقد نقرأ عبارة “أنا بخير” ولا نفكر في السؤال الذي ربما يحتاج صاحبه أن يسمعه: هل أنت بخير حقًا؟
أصبحت العلاقات في كثير من الأحيان تُقاس بالأرقام؛ بعدد المتابعين، والإعجابات، والتعليقات. ومع هذا الاهتمام الظاهر، قد يشعر الإنسان بأنه غير مرئي. فليس كل من يتابعنا يعرفنا، وليس كل من يتفاعل معنا قريبًا منا، وليس كثرة الحضور حولنا دليلًا على وجود من يفهمنا.
والأشد قسوة أن مواقع التواصل تضع أمامنا حياة الآخرين في أجمل صورها، فنقارن حياتنا الواقعية بما نراه من لحظاتهم المنتقاة. نرى نجاحاتهم ولا نرى تعثراتهم، نرى أفراحهم ولا نرى أيامهم الثقيلة، فنظن أحيانًا أن الجميع يعيش حياة أفضل منا، وأننا وحدنا الذين نواجه التعب والقلق والوحدة.
لكن الوحدة ليست دائمًا أن تكون بلا أشخاص من حولك؛ فقد يكون الإنسان محاطًا بالعشرات، ومع ذلك يشعر بأنه لا يجد من يستطيع أن يتحدث إليه بصدق. وقد يكون وحيدًا في مكان ما، لكنه يعيش في سلام مع نفسه. الفرق أن الوحدة المؤلمة ليست غياب الناس، وإنما غياب القرب الحقيقي.
لسنا بحاجة إلى أن نهرب من وسائل التواصل، بل إلى أن نعيد وضعها في مكانها الصحيح. أن نتذكر أن رسالة قصيرة لا تغني دائمًا عن لقاء، وأن إعجابًا على شاشة لا يعادل سؤالًا صادقًا، وأن متابعة شخص لا تعني بالضرورة أن نكون حاضرين في حياته.
ربما نحتاج في هذا العصر إلى أن نقترب أكثر مما نتصل، وأن نستمع أكثر مما ننشر، وأن نمنح من نحبهم شيئًا من وقتنا وحضورنا بدل أن نكتفي بمراقبة حياتهم عبر الشاشات.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في أننا نتواصل كثيرًا، بل في أننا نتواصل دون أن نقترب.
فوسط هذا العالم المزدحم بالأصوات والصور والرسائل، يبقى الإنسان بحاجة إلى علاقة واحدة حقيقية يشعر فيها أنه مفهوم، ومسموع، ومقبول كما هو.
لأن أقسى أنواع الوحدة ليست أن تكون وحدك، بل أن تكون بين الجميع ولا تجد قلبًا تصل إليه، ولا قلبًا يصل إليك.



