كتاب الرأي

حواس.. 32 عامًا من الحكاية، ورامي أجمل فصولها

بقلم / حمدان محمد المالكي

حديثي اليوم عن فئة غالية على قلوبنا، فئة مهما كتبنا عنها، ومهما تحدثنا عن إنجازاتها واحتياجاتها ومعاناتها، فلن نوفيها حقها ومكانتها.

وأنا حين أكتب عن ذوي الإعاقة، فإنني لا أكتب بصفة واحدة، بل أكتب من عدة مواقع؛ أكتب بصفتي أبًا لأحد أبطال الداون، وأكتب بصفتي ناشطًا اجتماعيًا مهتمًا بحقوق أبنائنا وإخواننا من ذوي الإعاقة، وأكتب قبل ذلك كله من واقع تجربة امتدت لأكثر من 32 عامًا.

بدأت رحلتي مع هذه الفئة الغالية من خلال صفحة «حواس» في جريدة البلاد، وهي الصفحة التي خُصصت للحديث عن قضايا ذوي الإعاقة، ومعاناتهم، واحتياجاتهم، وإبراز إنجازاتهم وقدراتهم، والدفاع عن حقوقهم وإيصال صوتهم إلى المجتمع.

ومع مرور السنوات، توليت إعداد والإشراف على الصفحة لعدة سنوات، وكانت «حواس» بالنسبة لي أكثر من مجرد صفحة صحفية؛ كانت مساحة إنسانية أحاول من خلالها أن أكون صوتًا لمن يحتاج إلى من يسمعه، وأن أفتح نافذة على عالم مليء بالقدرات والقصص والتحديات.

ومع ظهور ثورة الإعلام الجديد والصحافة الإلكترونية، انتقلت التجربة إلى فضاء أوسع، فدشنت صحيفة حواس الإلكترونية عام 1432هـ، واستمرت تجربتي معها قرابة 14 عامًا، إلى أن جاءت التنظيمات الخاصة بالصحف الإلكترونية، وكانت الأنظمة في ذلك الوقت لا تساعدني على الاستمرار بالصيغة ذاتها.

لكنني لم أتخلَّ عن «حواس»؛ فقد تركت الاسم حاضرًا في كل صحيفة إلكترونية شاركت في تأسيسها أو ساهمت فيها أو تعاونت معها، ليبقى اسم «حواس» حاضرًا إلى يومنا هذا.

وخلال هذه السنوات الطويلة أفدت واستفدت كثيرًا، وتعلمت أن هذه الفئة لا تحتاج إلى الشفقة بقدر ما تحتاج إلى التمكين، ولا تحتاج إلى كلمات عابرة بقدر ما تحتاج إلى حقوق وفرص وبيئة تؤمن بقدراتها.

لكن أجمل ما في هذه الرحلة أن الله سبحانه وتعالى نقلني من مرحلة الكتابة عن ذوي الإعاقة إلى مرحلة العيش معهم في تفاصيل حياتي اليومية.

فقد أكرمني الله بابني رامي، أحد أبطال الداون، وكأنها مكافأة ربانية على سنوات طويلة قضيتها في الكتابة عن هذه الفئة والدفاع عن قضاياها.

رامي لم يكن إضافة إلى أسرتنا فحسب، بل كان إضافة إلى حياتنا كلها.

إنها فئة فيها من البركة ما لا يعرفه إلا من عاش تفاصيلها.

تعود إلى بيتك بعد يوم طويل، وقد أثقلتك الهموم، وما إن تفتح الباب حتى تجد رامي أمامك بابتسامته التي تختصر عليك كثيرًا من الكلام، وتنسيك شيئًا من تعبك ومعاناتك.

ابتسامته وحدها قادرة على أن تغيّر مزاج البيت.

ولرامي معي حكاية لا يمكن أن أنساها.

في إحدى المرات، دخل العناية المركزة، ومكث فيها قرابة شهرين، وكانت حالته صعبة جدًا، حتى إنني شعرت في لحظات كثيرة أن الأمل يتراجع، وزاد من صعوبة الأمر ما كنت أسمعه من بعض الأطباء الذين كانوا متشائمين من حالته.

لكنني تمسكت بالله، وأيقنت أن الأطباء يبذلون أسبابهم، أما الشفاء والأمل فبيد الله وحده.

وهنا تذكرت موقفًا قديمًا، يعود إلى الأيام الأولى من ولادة رامي.

بعد ولادته بأيام، اجتمع بنا الأطباء، أنا ووالدته، ليحدثونا عن حالته، وكان من بين ما قيل لنا أن هناك أسرًا لا تتقبل مثل هذه الحالات، وقد تتذمر منها، وربما تحاول التخلص من مسؤوليتها تجاه طفلها.

فقلت لهم بكل ثقة:

أنا أكتب عن هذه الفئة منذ ما يقارب عشرين عامًا، وأطالب المجتمع بالاهتمام بهم، واليوم وصلت رسالتي إلى بيتي، وأصبحت لدي حالة أعيش تفاصيلها بنفسي.

لم أنظر إلى رامي يومها على أنه اختبار أو عبء، بل رأيته رسالة ومكافأة من رب العالمين.

واليوم، ورامي يبلغ نحو الثالثة عشرة من عمره، أستطيع أن أقول إنني لم أعد أكتب عن ذوي الإعاقة من خلف الأوراق أو من واقع ما أقرأه وأسمعه؛ أصبحت أكتب من واقع تجربة، ومن قلب أب يعيش تفاصيل هذه الرحلة كل يوم.

نفرح لفرح رامي، ونحزن لتعبه، ونعيش نجاحاته الصغيرة قبل الكبيرة، ونرى في كل ابتسامة منه إنجازًا يستحق الاحتفال.

لقد علّمني رامي أن بعض النعم لا تأتي بالصورة التي نتوقعها، وأن بعض الهدايا الربانية تأتي إلينا في صورة مسؤولية، ثم نكتشف مع الأيام أنها من أجمل ما وهبنا الله.

وبعد أكثر من 32 عامًا مع «حواس»، أستطيع القول إن أجمل ما حدث في هذه الرحلة أنني لم أعد أكتفي بالكتابة عنهم…

بل أصبح أحدهم يسكن قلبي وبيتي، وأصبح اسمه رامي.

هذه تجربتي مع «حواس» وذوي الإعاقة، تجربة بدأت بقلم، واستمرت برسالة، واكتملت بنعمة أعيشها كل يوم.

وما زلت أؤمن أن أبناءنا من ذوي الإعاقة لا يريدون منا أن نتحدث عنهم فقط، بل يريدون أن نؤمن بهم، ونمنحهم الفرصة، ونرى قدراتهم قبل أن نرى إعاقتهم.

فهؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير، ولا حالات تحتاج إلى الشفقة…

إنهم أبناء، وإخوة، وأصدقاء، وأبطال، يحملون في داخلهم الكثير من الجمال الذي لا يراه إلا من اقترب منهم بقلبه.

شاركنا رأيك ✍️ هل تتفق مع ما ورد في الموضوع؟ ننتظر تعليقك ورأيك بكل صراحة.. فصوتك يهمنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى