كتاب الرأي

دهيم القاضي.. رجلٌ سبق زمنه وبقي أثره .

بقلم حمدان محمد المالكي
تحتار كثيرًا عندما تريد الكتابة عن رجلٍ مؤثر من جيل الطيبين؛ فكيف إذا كان الحديث عن رجلٍ عاش في زمنٍ لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي موجودة، ولا كانت الشهرة تُصنع عبر المنصات، وإنما كان الرجل يُعرف بأفعاله، ويُخلّد أثره بما يقدمه لمجتمعه.
ومن هؤلاء الرجال الذين بقي صدى أعمالهم إلى يومنا هذا الشيخ دهيم بن أحمد بن عبدالرحمن القاضي المالكي، من قضاة بني حرب من بني مالك بوادي مهور، الذي توفي عام 1404هـ بعد مسيرة حافلة بالعطاء وخدمة قبيلته والقبائل المجاورة.
كان الشيخ دهيم علمًا من أعلام بني مالك، وصاحب كلمة صادقة ورأي سديد، عُرف بالإصلاح وفضّ النزاعات، وكان له حضور بارز في القضايا التي تحتاج إلى الحكمة والإصلاح، سواء بين الأفراد أو الجماعات، بل امتد دوره إلى الإصلاح بين القبائل.
كما كان له دور مهم في كتابة الحجج والوثائق وتوثيقها، وإعادة كتابة بعض الوثائق القديمة التي تعرضت للتلف، ليحفظ بذلك جانبًا مهمًا من تاريخ المنطقة وحقوق أهلها.
وعلى مدى ما لا يقل عن خمسة وثلاثين عامًا، كان إمامًا وخطيبًا ومأذونًا شرعيًا حتى وفاته، كما أمّ المصلين في مسجد سوق الأربعاء الشهير، وكان يلقي كلمة السوق، فيُعرّف الناس بما جرى خلال الأسبوع، ويبيّن ما تم الاتفاق عليه من أمور البيع والشراء وشؤون القبيلة.
وعُرف عنه الزهد والوفاء، وحظي بمكانة كبيرة وتقدير واسع بين قبائل بني مالك، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالإصلاح والحكمة والتوثيق وخدمة الناس.
ولم يتوقف أثره عند حياته، بل امتد من خلال أبنائه الثلاثة، الذين أصبح كل واحد منهم رمزًا في مجاله، رحمهم الله جميعًا.
فكان العم عبداللطيف معروفًا بالأخلاق الرفيعة والكرم والشهامة، وله اهتمام كبير بالتعليم، حتى كان ينظر إلى كل طالب في مدرسة مهور «القضاة» وكأنه أحد أبنائه.
أما العم علوش فكان شخصية مميزة في حساب الزراعة، وإجادة الأمثال والحكم، وكان راوي متميزًا لأحداث المنطقة وتاريخها.
وأما العم مريسي فكان من أبرز رجال العدل والإصلاح، عُرف بحكمته وقدرته على حل كثير من القضايا والمشكلات المعقدة بين الناس.
رحم الله الشيخ دهيم القاضي، ورحم أبناءه، فقد كانوا من الرجال الذين لم يبحثوا عن الشهرة، وإنما صنعت أعمالهم لهم مكانًا في ذاكرة الناس.
رجالٌ رحلوا عن الدنيا، لكن سيرتهم بقيت، وأثرهم لم يرحل.
رحم الله من خلد التاريخ ذكرهم، وحفظ الله أحفاد الشيخ دهيم القاضي، وأدام بينهم المحبة والوفاء، وجعل ما قدمه آباؤهم وأجدادهم في موازين حسناتهم.

شاركنا رأيك ✍️ هل تتفق مع ما ورد في الموضوع؟ ننتظر تعليقك ورأيك بكل صراحة.. فصوتك يهمنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى