استطلاع ميداني : الذكاء الاصطناعي لا يصنع المبدع بل يوسّع أفقه.
وقع الحدث .. ترصد كيف توظّف هيئة الإذاعة والتلفزيون التقنيات الحديثة في صناعة إعلام المستقبل
استطلاع / ناصرمضحي الحربي – وقع الحدث
في وقتٍ أصبح فيه الذكاء الاصطناعي العنوان الأبرز للتحولات الرقمية حول العالم، تتجه الأنظار إلى المؤسسات الإعلامية بوصفها إحدى أكثر الجهات تأثرًا بهذه الثورة التقنية، وبين مخاوف البعض من أن تبتلع الآلة الإنسان، يرى مختصون وإعلاميون أن التقنية الحديثة لا تلغي الإبداع البشري، بل تمنحه أدوات أكثر تطورًا واتساعًا.
وفي هذا الاستطلاع الميداني – لـ وقع الحدث الإخبارية – نسلط الضوء على كيفية توظيف هيئة الإذاعة والتلفزيون للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في أعمالها الإعلامية، من خلال آراء إعلاميين، ومختصين بالتقنية، وصنّاع محتوى، وأكاديميين، إضافة إلى رصد انعكاسات هذا التحول على المشهد الإعلامي ومستقبل الصناعة الإعلامية في المملكة.
الإعلام يدخل عصر الذكاء:
يرى المذيع السابق في التلفزيون السعودي عبد العزيز العيد أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى القطاع الإعلامي لم يعد ترفًا تقنيًا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر وسرعة تدفق المعلومات.
ويقول في حديثه للاستطلاع:
الإعلام اليوم يعيش مرحلة مختلفة تمامًا عمّا كان عليه قبل سنوات، فالجمهور تغيّر، ووسائل الوصول إليه تغيّرت أيضًا، فالذكاء الاصطناعي ساعد المؤسسات الإعلامية في اختصار الوقت، وتحليل البيانات، وفهم اهتمامات المشاهد بشكل أدق، لكنه لا يستطيع أن يصنع الفكرة الإنسانية أو الحس الصحفي الحقيقي.
ويضيف: أن لمبدع الحقيقي هو من يعرف كيف يستخدم التقنية لصالحه، لا أن يعتمد عليها بالكامل.”
هيئة الإذاعة والتلفزيون خطوات متسارعة نحو التطوير
وأكد عدد من المختصين أن هيئة الإذاعة والتلفزيون تشهد خلال السنوات الأخيرة نقلة واضحة في أساليب الإنتاج والبث وصناعة المحتوى، عبر تطوير الاستوديوهات، واستخدام التقنيات البصرية الحديثة، وتوسيع الحضور الرقمي عبر المنصات المختلفة.
ويشير المختص في الإعلام الرقمي الدكتور فهد القحطاني إلى أن الهيئة أصبحت أكثر انفتاحًا على أدوات الإعلام الحديث، موضحًا أن التطوير لم يعد مقتصرًا على الشكل فقط، بل شمل بنية العمل الإعلامي نفسها.
وقال: ما يحدث اليوم داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى هو انتقال تدريجي من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الذكي، هناك اهتمام متزايد باستخدام الأنظمة الرقمية في إدارة المحتوى، وأرشفة المواد الإعلامية، وتحليل نسب المشاهدة والتفاعل، وهي خطوات مهمة في صناعة إعلام أكثر كفاءة.
وأضاف: التقنية لا تلغي دور الإعلامي، لكنها تمنحه مساحة أوسع للتركيز على الإبداع وصناعة المحتوى بدلًا من الانشغال بالتفاصيل التشغيلية.
من الشاشة التقليدية إلى المشهد التفاعلي
ويؤكد مختصون أن أحد أبرز أوجه التحول الإعلامي يتمثل في استخدام تقنيات الواقع المعزز والجرافيكس التفاعلي داخل البرامج والنشرات، وهو ما غيّر شكل التقديم الإعلامي بالكامل.
المخرج التلفزيوني محمد بن حامد أوضح أن المشاهد اليوم أصبح يبحث عن التجربة البصرية المتكاملة، وليس مجرد نقل المعلومة.
وقال: الجمهور يعيش عصر الصورة السريعة والمحتوى المختصر، لذلك أصبحت المؤسسات الإعلامية مطالبة بتقديم محتوى جذاب بصريًا. التقنيات الحديثة تساعد في تبسيط المعلومات وتحويلها إلى مشاهد تفاعلية قريبة من فهم المتلقي. وأشار إلى أن الاستوديوهات الذكية والأنظمة الرقمية الحديثة أصبحت جزءًا أساسيًا من مستقبل البث التلفزيوني.
الإعلام الرقمي… المنافسة الكبرى
من جانبه، يرى الإعلامي معتز القويعي أن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد بين القنوات فقط، بل بين الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي التي غيّرت سلوك الجمهور بالكامل، وأن المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي – مبالغ فيها أحيانًا -، لأن التقنية مهما تطورت تبقى مرتبطة بالعقل البشري الذي يديرها.
وقال: المشاهد لم يعد ينتظر موعد البرنامج أو النشرة، بل يريد المعلومة فورًا عبر هاتفه. لذلك أصبح من الضروري أن تواكب المؤسسات الإعلامية هذا التحول، سواء في طريقة صناعة المحتوى أو سرعة نشره.
وأوضح: الآلة لا تمتلك القيم، ولا الحس الإنساني، ولا المسؤولية الأخلاقية. الإعلام الحقيقي لا يقوم فقط على نقل الخبر، بل على فهم المجتمع والتأثير فيه، وهذه أمور لا تستطيع التقنية القيام بها وحدها.
وأضاف: المستقبل سيكون للإعلامي الذي يجمع بين المهارة المهنية والقدرة على استخدام التقنيات الحديثة بوعي واحترافية.
الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار:
وفي جولة ميدانية شملت عددًا من العاملين في المجال الإعلامي، أجمع كثيرون على أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت تدخل تدريجيًا في بعض مراحل العمل الصحفي والإنتاجي، مثل تفريغ المقابلات، وترجمة النصوص، وتحليل المحتوى، وصناعة المقاطع القصيرة، وتحسين جودة الصوت والصورة.
المحررة الصحفية ريم الشهري ترى أن التقنية اختصرت ساعات طويلة من العمل، لكنها تؤكد أن “العين الصحفية” لا يمكن استبدالها.
وقالت: الذكاء الاصطناعي قد يساعدني في ترتيب المعلومات أو اقتراح صياغات معينة، لكنه لا يستطيع أن يشعر بقيمة الخبر أو يفهم حساسية بعض القضايا كما يفعل الصحفي الحقيقي.”
وأضافت: المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل فيمن يعتمد عليها بشكل كامل دون أن يمتلك أدواته المهنية.
الجمهور: نريد محتوى ذكيًا… لا محتوى بلا روح:
وفي استطلاع لآراء عدد من المتابعين، عبّر كثيرون عن إعجابهم بالتطور التقني في المجال الإعلامي، لكنهم شددوا في الوقت ذاته على أهمية المحافظة على “روح المحتوى.
وقال المواطن محيسن عبيدالله بن نحيت : أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام أمر إيجابي إذا كان داعمًا للإبداع لا بديلًا عنه فالتقنيات الحديثة جميلة وتضيف احترافية كبيرة، لكن الجمهور يستطيع أن يميّز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصنوع بلا إحساس ونجاح المؤسسات الإعلامية مستقبلًا لن يقاس فقط بامتلاكها للتقنيات الحديثة، بل بقدرتها على توظيف هذه الأدوات لصناعة محتوى هادف ومؤثر، فالآلة قد تختصر الوقت، وتحلل البيانات، وتسرّع الإنتاج، لكنها لا تستطيع أن تكتب بإحساس إنسان، ولا أن تصنع فكرة نابضة بالحياة.
وفي خضم هذا التحول الرقمي المتسارع، تبدو هيئة الإذاعة والتلفزيون أمام مرحلة جديدة من صناعة الإعلام، مرحلة تعتمد على المزج بين التقنية والإنسان، بين الحداثة والهوية، وبين سرعة التطور وعمق الرسالة.
ويبقى السؤال الأهم:
هل يستطيع الإعلام أن يحافظ على روحه الإنسانية وسط هذا الطوفان التقني؟
الإجابة التي اتفق عليها كثير من المشاركين كانت واضحة:
“الذكاء الاصطناعي لا يصنع منك مبدعًا، لكنه يمنح المبدع أدواتٍ تجعله أكثر قدرة على الوصول والتأثير وصناعة المستقبل” .
للمحرر كلمة:
رغم هذا الانفتاح الكبير على الذكاء الاصطناعي، تبقى هناك حقيقة لا يمكن تجاوزها: الإبداع لا يُبرمج. فالمشاعر الإنسانية، والقدرة على السرد، والإحساس بالقضايا، وصناعة التأثير الحقيقي، كلها أمور لا تزال مرتبطة بالإنسان وحده.
وقد يكتب الذكاء الاصطناعي نصًا متماسكًا، لكنه لا يستطيع أن يكتب بوجع أمٍّ فقدت ابنها، أو بحنين مغترب اشتاق لوطنه، أو بشغف صحفي يلاحق الحقيقة، لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في عصر التقنية هو أن يتحول الإنسان إلى نسخة ميكانيكية من الآلة، لا أن تستخدم الآلة لخدمة الإنسان.
نشر في 2026/05/12 صحيفة وقع الحدث – ميدان الحدث –
استطلاع / ناصرمضحي الحربي





