كتاب الرأي

لون يدك يكشف أثرك .

في زاوية “مضامين“، نُبحر معكم اليوم في دلالات الألوان التي تصبغ الكف البشري، ليس من قبيل العرق أو الجسد، بل من باب الرمزية التي تُشكل هوية العطاء، والبناء، والفناء.
اليد في لغتنا ليست مجرد أداة، بل هي “المضمون” الذي يُفصح عن مكنونات النفس ومسارات الحياة. ومع الإبحار نصحبكم..

اليد البيضاء: حين نتحدث عن “اليد البيضاء”، فنحن لا نقصد ناصعة البياض في ظاهرها، بل تلك التي امتدت بالخير دون انتظار ثمن، هي رمز الصفاء والترفع .
• مضمونها الإنساني: هي اليد التي تداوي جرحاً، وتمسح دمعاً، وتُعطي من سعة أو من ضيق وهي “راضية مرضية”.تجلي الطهر وسخاء الغمام
• المعنى الأدبي: اليد البيضاء هي النور الذي يكسر عتمة الحاجة.
في التراث، كانت تُنسب للملوك الكرام والأنبياء كدلالة على المعجزة والنزاهة، هي يدٌ لا تترك بصمة ملوثة بالمنّ والأذى، بل تترك أثراً يشبه عطر الياسمين؛ يفوح ويبقى صاحبه مجهولاً.

اليد الخضراء: “نبض النماء وصناعة الحياة” هذا المضمون يحيلنا مباشرة إلى الاستمرارية والخصوبة – اليد الخضراء هي يد الزارع، ليس فقط في طين الأرض، بل في عقول البشر وأرواحهم.
• مضمونها العملي: يُقال عمن يزرع شتلة فتورق فوراً بأن “يده خضراء”. إنها البركة التي تحلّ في الشيء بمجرد ملامسته.
• المعنى الفلسفي: هي اليد التي تبني للمستقبل – المعلم الذي يغرس فكرة هو صاحب يد خضراء – الأم التي تربي جيلاً سوياً هي صاحبة يد خضراء – إنها اليد التي تؤمن بأن الحياة “عطاء ممتد”، وأن كل فعل صغير اليوم هو غابة وارفة في الغد، هي يدٌ تعشق الطين بقدر ما تعشق الثمر.

اليد السوداء: “ظلال العبث ورماد الهدم”.
على النقيض تماماً، تأتي “اليد السوداء” لتكون رمزاً للتخريب، والشر، والانقباض – السواد هنا ليس لوناً، بل هو “غياب الضوء والضمير” .
• مضمونها السياسي والاجتماعي: غالباً ما يُشار بها إلى القوى الخفية التي تعبث باستقرار المجتمعات، أو الأيدي التي تمتد لتسرق أحلام الآخرين – هي يد “المؤامرة” والفساد” .
• المعنى النفسي: هي اليد التي لا تعرف سوى الأخذ، أو تلك التي إذا لمست شيئاً أفسدته – هي يد الحقد التي تحرق المحاصيل لتتساوى الوجوه في الجوع – إنها اليد التي تركت العمل (البياض) والنماء (الخضرة) واختارت أن تتلطخ برماد الهدم.

ومع ختام رحلتنا في “مضامين”، يبقى السؤال قائمًا في أعماق كلّ واحدٍ منّا:
أي يدٍ سأترك خلفي حين يرحل الجسد وتبقى البصمة؟
ما هي اليد التي تشعر أنها تمثلك في المرحلة الحالية من حياتك، هل هي يد البناء الخضراء أم عطاء البياض؟
إن حياتنا ما هي إلا سلسلة من “العبارات” التي تخطها أيدينا – نحن المسافرون – وأفعالنا هي الألوان التي نصنع بها طريقنا.
فبأي لونٍ تختار أن تعبر جسر الحياة؟ هل ستترك خلفك بياضاً يؤنس السائرين، أم خضرةً تُطعم الجائعين، أم سواداً يضيع في زحام النسيان؟

 

ــــــــــــــــــــ

نشر في تاريخ – 2026/05/10
كتاب الرأي – صحيفة وقع الحدث
ناصر مضحي الحربي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى