كتاب الرأي

حروف مبعثرة ….

 

وعصاي أتوكأ عليها دخلت عليه مكتبه ..

أعرفه ويعرفني من سنين مضت ..

جمعتنا تقلبات الحياة .. ثم أفترقنا ورغم ذلك كانت تجمعنا بعض مناسبات الأفراح والاتراح ..

كهلُ مثلي أتم السبعين عمرا ..

زجت به الحياة في كثير من المعارك التي ما أظن إلا أنه كان فائزا في معظمها ..

اللهم الا القليل التي خسر فيها بعض ما يرم اليه ..

لكن ظني أن تلك الخسائر كانت موجعة له بفعل مركزه ومسئولياته التي لا زال يحتفظ ببعض منها ..

وهذا ما جعله يتقلّب هنا وهناك محاولا الاحتفاظ بشيء من ذلك المجد التليد ..

ما يؤكد قرب ظنوني لليقين تصرفه معي ..

ما إن دخلت مكتبه لم يرحب .. لم يكن هاشا باشا مثلما سعدت برؤيته ..

مددت له يدي فبادلني التحية ثم نادى بصوت مرتفع على سكرتيرة مكتبه أن تأت اليه .. وقد كان ..

نظر اليّ شزرا وقال من أنت ( ترى ما عرفتك يا أخي ) .. ابتسمت في وجهه ابتسامة ساخرة .. وأنا لا أزال مقبضا على كفه بكفي ..

رددت عليه لكني اعرفك تماما .. ملامحك لم تتغير اللهم إلا بالقليل من الصحة تبارك الله وتجاعيد الوجه لمن مثلي لا يجهلها قبل عشرين عاما أو يزيد .. نطقتها مبتسما ساخرا من قوة انكاره وجحوده الذي لم يثنيه الخجل .. 

كرر ما اعرفك اخي الكريم .. عموما آمر كيف أقدر اخدمك ، كل هذا الحوار السريع وهو لايزال ينظر اليّ  .. وبين هذا وذاك قرأت في نظراته وجلا وهروبا لم أجد له تفسيرا ..

هل كان يتوقع أنني سأستعرض مجده الذي أفل وانتهى من سنوات في قريتي أيامها ( عندما كان الأعوار في بلاد العمي فاكهة على رأي المثل الدارج  أم غير ذلك لا أعلم  .. وقتها كانت الضباع تأكل سواسيه مع الأسود .. أم أن هناك أمر خفى عليّ فهمه  ..

رغم أنني اشهد بالله منصفا أنه كان من خيرة المسئولين المنافحين عن موقع عمله بإستبسال تام المحقق لنجاحات لم يحققها قبله ولا بعده أحد ..

هذه حقيقة تأبى إلا الظور اعترافا بفضل الرجال في ميادين العطاء ..

أحد المرافقين معي كان يسمع الحوار ينظر اليه بإستغراب خاصة .. أن مرافقي فضوليا إلى درجة أنني ادع الله في سري .. أن لا ينبس بكلمة فهو من النوع الذي لا تعجبه مثل هذه المشاهد ويحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة لكن سبحان من دثره برداء الهدوء ..

كان موقفا محيرا لمن يعرف كنه الحقيقة بيننا نحن الثلاثة ونحن نعرف بعضنا تماما .. أما سكرتيرته فقد كانت تسمع وترى المشهد بنوع من الدهشة اللهم لا غير ..

رأيت في لحظة هدوء مني .. وقد وصل ناكر معرفتي لهذا المستوى من التعامل أن ليس أمامي إلا أن اجمع بقايا كرامتي في مكتبه وادير له ظهري دون استئذان وأدع مرافقي للخروج من مكان أنكر صاحبه من يعرف فكيف بمن لا يعرف حقيقة ..

رأيت أن الخروج من امامه دون توديعه او طرح ما اريده عليه أكبر فوز لقيمة الإنسان أمام جاحد لقيم التعامل بين العباد ايا كانت مناصبهم وقيمهم ومستوياتهم خاصة وأنه ملزم بخدمتي وغير عرف قاصده او لم يعرغ .. ورغم ما وصل اليه من المراكز الوظيفية التي اكسبته ما اشتهته نفسه  .. لكنها في المقابل افقدته كثير من قيم الوفاء التي اراها من وجهة نظري الضعيفة اسمى وارقى مما أفنى سني عمره لاهثا وراء مجد زائل أمام كرامة باقية خالده تعلُ بصاحبها حتى وأن لم يكن في مركز اجتماعي أو وظيفي مرموق ( في نظر البعض فقط ) أما مثلي من القانعين فلا يعنيني كل ذلك .. 

 لم يكن يستحق مني إلا هذا التصرف الذي رأيته مساويا لقدر ومقام استقباله لي ..

فمن لا يراني مكسبا لن اراه رأس مال .. كما قال المثل وحتى لو كان من يكون .. او أن يكون قضاء حاجتي على يديه .. لا قدر الله .. والله شهيد دخلت لمكتبه تبعا لتلك اللوحة الوظيفية التعريفه الملصقة على جدار الردهة الموصلة الى مكتبه … ولم أكن أتوقع أنه هو الذي اعرفه ويعرفني من قبل .. 

يؤسفني أن مثل هذا النموذج الملفوف بالسواد الأعظم من الخيلاء والغطرسة موجود بيننا فما اشد غباء بعض البشر عندما يظن أنه بلغ مكانا مرموقا دون النظر لما حوله من قناعات وتقييم الآخرين له .. 

ما أوهن زهو النفس الأمارة بالسوء من قيمة اجتماعية يراها الكل وتغيب عن صاحبها ومن يقتات عليها في حياته المهنية والتعاملية ..

ونحن نسير في الممر الطويل تبادلت وصاحبي النظرات استغربا من ذلك الموقف الذي لم يكن أمامي سوى طرحه عليكم هنا بكل تفاصيله .. اصبت أم اخطأت في ردت فعلي وتصرفي فهذا مالا أعلمه .. أما مرافقي فلا يزال حائرا في تقييمه بين هذا وذاك وقد يكون غاضبا أنه لم يفاتح ناكر من يعرف ببعض مما في صدره .. 

إن كانت وصلت العلاقات بين المتعارفين لهذا المستوى من الدونية فقل على الدنيا السلام .. والله المستعان .. 

دمتم بخير … 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى