كتاب الرأي

بين صناعة الإنجاز واستنزاف الكفاءات

✍️الإعلامي والصحفي: محمد آل ضعين
    عضو هيئة الصحفيين السعوديين:

في الخطاب الإداري الشائع والمعاصر، يُقدَّم الضغط في بيئة العمل بوصفه أمراً طبيعياً، بل وضرورياً في كثير من الأحيان، وكأنه المعيار الأوحد لقياس مستوى الجدية والالتزام المهني. غير أن هذه النظرة العامة والسطحية تتجاهل سؤالاً جوهرياً ومفصلياً لا يمكن القفز عليه أو تجاهله: أيّ ضغط نتحدث عنه؟ فليست كل أشكال الضغط النفسي والمهني متشابهة في نتائجها، ولا جميعها تقود بالضرورة إلى إنجاز ملموس، أو تُنتج تطوراً مهنياً حقيقياً يخدم الموظف والمنظومة على حد سواء.

الضغط الصحي هو ذلك الذي يأتي ضمن سياق مؤسسي واضح، مرتبط بأهداف استراتيجية محددة، وتحت قيادة واعية وناضجة تدرك تماماً الفرق الدقيق بين التحدي المحفز والدعم المطلوب. هو ضغط يدفعك للعمل بتركيز أعلى، ويحفّزك على استكشاف وتطوير مهاراتك الكامنة، ويجعلك أكثر وعياً بقدراتك الذاتية وحدودك المهنية، وأكثر قدرة على إدارة الوقت بفاعلية، واتخاذ القرار السليم، وتحمل المسؤولية بشجاعة. في مثل هذه البيئات الصحية، لا يضيع الجهد سدى؛ بل ترى أثر عملك واقعاً ملموساً، وتتلمس نتائج ما تقدمه من تضحيات، ويُترجم عطاؤك في نهاية المطاف إلى تقدير مادي أو معنوي، أو على الأقل إلى خبرة تراكمية حقيقية تُحسب في مسارك المهني الطويل.

في المقابل، حين يتحول الضغط إلى حالة دائمة بلا أفق، ومطلبٍ مستمر بلا مقابل أو تقدير، فإنه يفقد معناه المهني والأخلاقي ويتحوّل إلى عبء ثقيل يستنزف الروح. هو ضغط لا يعلّم مهارة، ولا يطوّر قدرة، ولا يعترف بحجم الجهد المبذول، بل يستهلك الطاقة النفسية ويستنزف الدافعية الداخلية لدى الكفاءات. هنا لا يعود الموظف شريكاً في قصة النجاح، بل مجرد أداة لإطفاء الحرائق اليومية الناتجة عن سوء التخطيط، يعمل تحت مقصلة الوقت وفوضى الأولويات، دون رؤية واضحة، أو تخطيط فعّال، أو اعتراف بقيمة الإنسان وكرامته داخل المنظومة.

الفرق بين الضغط المنتج والضغط الطارد لا يظهر في حجم العمل أو كثافته فحسب، بل في الثقافة الإدارية التي تحيط به وتحكمه. فبيئات العمل الناضجة تستخدم الضغط كوسيلة ذكية لبناء الكفاءة وصقل المهارات، وتفتح أبواب التعلم المستمر، وتمنح مساحات كافية للنقاش والتطوير. بينما البيئات الطاردة تخلط بجهل بين الحزم الإداري والفوضى المنظمة، وبين الجدية في العمل وسوء الإدارة، وتُحمّل الأفراد المخلصين نتائج خللٍ مؤسسي وتراكمات إدارية لا يملكون أدوات إصلاحها أو تغييرها.

ومن الأخطاء الشائعة والمدمرة تمجيد “الصبر” بوصفه الحل الوحيد والمثالي. الصبر قيمة أخلاقية وإنسانية رفيعة بلا شك، لكنه في السياق المهني الصرف لا ينبغي أن يكون هو الهدف النهائي أو الغاية الكبرى. العمل ليس ساحة لاختبار القدرة على التحمل النفسي وصراع البقاء، بل هو مساحة رحبة للنمو، وبناء الخبرة، وتحقيق الأثر الاجتماعي والمهني. فإذا كان أقصى ما يكتسبه الإنسان من سنوات عمله هو مجرد الصبر على الأذى أو الاستنزاف، فهنا يجب التوقف طويلاً وإعادة التقييم بجدية.

السؤال الحقيقي والوجودي الذي ينبغي أن يُطرح بوعي تام وصدق مع الذات:
هل هذا الضغط الذي أعيشه يضيف لي قيمة حقيقية؟
هل يقرّبني فعلياً من أهدافي المهنية وطموحاتي الشخصية؟
وهل ينعكس بشكل عادل على تقديري ومكاني وصورتي داخل المؤسسة؟
إن كان الجواب نعم، فالضغط هنا هو ضريبة مستحقة وجزء من رحلة الإنجاز الصعبة.
وإن كان لا، فالبحث عن بديل يحترم الكفاءة ليس هروباً من المسؤولية، بل هو قرار نضج مهني وشجاعة أدبية. فالمسار الصحيح والوحيد هو ذاك الذي يدفعك للنمو والارتقاء .. لا ذاك الذي يدرّبك بقسوة على التكيّف مع الاستنزاف وضياع العمر .

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى