بين حكمة الأمية وتقدم العلم في عصرنا الحاضر

بقلم أ. غميص الظهيري
في الزمن الماضي، كنا نحرص على حضور مجالس الأولين، لا لنتسامر فحسب، بل لنستمع ونتعلم. كانت تلك المجالس مدرسة مفتوحة، تدور فيها الحِكم والبطولات، وأخبار الأسواق وأحداث القبائل، ومجالس الدعاوى والحقوق، وحل الخصومات والمشكلات.
وكان من اللافت ما يتحلى به كبار السن من فراسة وحكمة عند الاستماع إلى المتخاصمين، وكيف كانوا يتتبعون الكلمات ويفهمون ما وراءها، ثم يصدرون أحكامهم بميزان من العقل والتجربة. وكان المتخاصمون أنفسهم يختارون كلماتهم بعناية، ويسجعون عباراتهم، ويعرضون حججهم بأسلوب بليغ، وكأنهم درسوا في أرقى الجامعات، مع أن كثيراً منهم لم يعرفوا القراءة والكتابة.
ولم تكن أميتهم تعني جهلهم؛ فقد وهبهم الله من الحكمة، وبعد النظر، وحسن الخطاب، ومعرفة الرجال والأحوال ما جعلهم أصحاب تجربة يُرجع إليهم. كانت الحياة هي مدرستهم، وكانت الأيام معلمهم، وكانت المجالس ميداناً يتعلم فيه الصغير من الكبير، ويكتسب فيه الإنسان من التجارب ما لا تجده في الكتب.
أما اليوم، فنحن نعيش في عصر تقدّم فيه العلم تقدماً عظيماً، وأصبحت التقنية الحديثة بين أيدينا، وفتحت لنا أبواباً واسعة من المعرفة، وأصبح الوصول إلى المعلومة لا يحتاج إلا إلى لحظات. ولدينا جامعات ومراكز علمية تزخر بالعلم والمعرفة، وأصبح العالم كله تقريباً بين أيدينا من خلال وسائل الاتصال الحديثة.
ومع ذلك، فإننا نفتقد شيئاً من فراسة الأولين وحكمتهم، فقد اندثرت كثير من العبارات الجميلة، والعادات والتقاليد، وقلت تلك المجالس التي كانت تجمع الناس وتتيح لهم فرصة الحوار والاستماع والتعلم من تجارب بعضهم بعضاً. فقد كانت مجالس الأولين أشبه بالمركز الإعلامي في زمانهم؛ فيها تصل الأخبار، وتناقش القضايا، وتحل الخصومات، ويتبادل الناس المعرفة والتجارب.
أما اليوم، فلله الحمد والمنة، أصبحت أخبار العالم كلها بين أيدينا، نعرف ما يحدث في أقصى الأرض ونحن في أماكننا، ونستطيع أن نصل إلى المعلومة في ثوانٍ. لكن سرعة الوصول إلى المعلومة لا تعني بالضرورة امتلاك الحكمة، وكثرة المعرفة لا تغني دائماً عن التجربة وحسن التقدير.
وهنا يظهر الفرق بين علمٍ نكتسبه من الكتب والتقنية، وحكمةٍ نكتسبها من الحياة وتجارب الرجال. فالأولون ربما افتقدوا أدوات العلم الحديث، لكنهم امتلكوا رصيداً كبيراً من التجربة، وقوة الملاحظة، وفراسة الرجال، وحسن الاستماع، واختيار الكلمة المناسبة في الوقت المناسب.
ولعل الأجمل أن نجمع بين الأمرين: أن نأخذ من حاضرنا علمه وتقنيته، ومن ماضينا حكمته وفراسته وقيمه ومجالسه. فليس التقدم أن نتخلى عن موروثنا، وليس الوفاء للماضي أن نرفض العلم الحديث؛ وإنما التقدم الحقيقي أن نبني على ما تركه لنا الأولون، ونضيف إليه ما وصل إليه العلم في عصرنا.
فالعلم بلا حكمة قد يضل طريقه، والحكمة بلا علم قد تعجز عن مواكبة العصر. أما إذا اجتمعا، أصبح الإنسان أكثر قدرة على فهم الحياة، وحسن التعامل معها، وصناعة مستقبل يحفظ أصالة الماضي ويستفيد من منجزات الحاضر.



