ألفاظك… جواز مرورك

أهم ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية هو قدرته على التواصل والتعبير عن مشاعره وأفكاره. ولا ننكر أن بعض الكائنات تشاركنا هذه الصفة، بل قد تتقنها بطريقتها الخاصة. لكن تبقى الكلمة هي الوسيلة الأعمق في حياة الإنسان؛ فهي قد تكون جسرًا يعبر به إلى القلوب، وقد تتحول إلى حاجز يمنعه من الوصول إليها.
هناك إنسان قهرته الظروف، وخذلته المفردات. تلقى في حياته كثيرًا من الصدمات، وذاق ألوانًا من الظلم، حتى بات يحمل كومة من الآلام وتخمة من الهموم. تنظر إليه فتجد الهم قد ارتسم على ملامحه. يريد أن يتحدث، أن يبوح، أن يستعيد هويته، لكنه يعجز عن التعبير، وكأنه رحل عن نفسه ولم يعد يعرف طريق العودة. يقف حائرًا، متجهمًا، أسيرًا لصمتٍ أثقلته المعاناة.
وحين يحاول للمرة الأولى أن يفرغ ما في داخله، تخونه الكلمات؛ فتراه ظالمًا، وهو أكثر الناس تعرضًا للظلم، وتراه قاسيًا، وهو أكثرهم انكسارًا. ومع ذلك، لا نتردد في إصدار الأحكام عليه، فنصفه بالجفاء والظلم، ونضاعف ألمه دون أن ندرك حقيقة ما يخفيه قلبه.
وفي المقابل، هناك من يجيد صياغة الكلام، ويتقن التلاعب بالألفاظ. قد يكون مستبدًا أو ظالمًا أو غادرًا، لكنه ينسج من كلماته سحرًا يخدع به الآخرين، فيحظى بالقبول والثقة، وكأن الإشارة الخضراء قد رُفعت أمامه ليأخذ ما يشاء. وهكذا نكرر الخطأ للمرة الثانية، حين نحكم على الناس ببلاغة ألسنتهم لا بصدق أفعالهم.
وهناك شخص هو أقرب الناس إليك؛ تهمس فيسمع، وتصرخ فلا يسمع. تهز كتفه مرة، وتلوح أمام عينيه مرة أخرى، فلا يراك، وكأن حجابًا قد أُسدل على بصيرته، فغاب عنه الحق وهو أمامه.
حقًا… ليست الألفاظ مجرد كلمات، بل قد تكون جواز مرور إلى القلوب، أو جدارًا يعزل الإنسان عن العالم.
بقلم /سميرة عبدالله
جازان

