حين يُصادر الفضل يصبح الإبداع تهمة

بقلم / ناصرمضحي الحربي
ليست المشكلة في الاعتراف بالفضل، فالأمم الحية تُبنى على الوفاء، والذاكرة المهنية لا تنكر من فتح بابًا أو أضاء طريقًا.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الفضل إلى سلطة، والامتنان إلى وصاية، والتاريخ إلى صك احتكار يُمنح لفئة ويُحجب عن أخرى.
هناك لحظة فارقة يفقد فيها الفضل معناه الأخلاقي، عندما يصبح وسيلة لابتزاز الذاكرة، أو مبررًا لمصادرة إنجازات الآخرين.
عندها لا يعود الفضل فضلاً، بل يتحول إلى قيدٍ ثقيل يُراد له أن يبقى في أعناق الناس، وكأن النجاح لا يُنسب إلى موهبة أو اجتهاد، بل إلى من يصرخ أولًا: “أنا من صنعته.” وفي بعض البيئات المهنية، تتكرر رواية واحدة بصيغ مختلفة؛ رواية تُصور أن المعرفة خرجت من باب واحد، وأن الإبداع لم يولد إلا في مكان واحد، وأن كل من برز اسمه إنما هو امتداد لفضل مؤسسة أو شخص أو مرحلة بعينها.
وكأن التاريخ بدأ هناك، وتوقف هناك، ولم يعرف الناس قبلها علمًا، ولا بعدها تطورًا وهذا المنطق لا يصادر الأفراد فحسب، بل يصادر طبيعة الحياة نفسها. فالإنسان لا يُولد مهنيًا في يوم تعيينه، ولا يبدأ تاريخه من أول بطاقة عمل يحملها.
خلف كل اسم ناجح سنوات طويلة من القراءة، والتجربة، والخطأ، والإخفاق، والمحاولة، والتعلم، والاحتكاك بالحياة قبل الاحتكاك بالمهنة.
وما المؤسسة إلا محطة في رحلة طويلة، لا بداية الطريق ولا نهايته، ومن يظن أن كل من عبر محطةً ما أصبح مدينًا لها بكل نجاح حققه لاحقًا، فإنه يختزل الإنسان في تجربة واحدة، ويلغي كل ما سبقها وكل ما تلاها. وهي نظرة لا تنصف العقول، ولا تحترم سنن التطور، ولا تدرك أن المعرفة لا تُورث، بل تُكتسب، ولا تُحتكر، بل تتراكم.
ولعل المثل الشعبي القديم: “ما عرف غرب إلا مغيب الشمس”يلخص هذه الحالة بأبلغ صورة.
إنه وصف لمن ضاقت رؤيته حتى ظن أن الأفق ينتهي عند عينيه، وأن الشمس لا تغرب إلا حيث يقف، ولا تشرق إلا من نافذته.
إنها ذهنية ترى العالم من ثقبٍ صغير، ثم تُصر على أن الثقب هو العالم كله.
إن أخطر ما في ثقافة الاحتكار أنها لا تكتفي بالاعتزاز بالتجربة، بل تُلغي ما سواها. فهي لا تقول: *لدينا تجربة ناجحة*، بل تقول ضمنًا: – لا نجاح إلا من خلالنا -.
ولا ترى في إنجاز الآخرين امتدادًا لمسيرتهم، بل تعتبره دينًا يجب أن يُسجل في دفترها، مهما ابتعد الزمن، ومهما تغيرت الظروف.
لكن الحقيقة أكبر من كل هذا الادعاء، فالمواهب لا تُصنع بقرارات إدارية، ولا تُولد داخل المكاتب، ولا تُوزع مع بطاقات التعريف الوظيفية.
الموهبة هبة، والعمل صقل، والزمن هو الحكم الوحيد الذي يمنح شهادة الاستحقاق.
أما المؤسسات، مهما عظمت، فهي توفر البيئة، وتفتح الأبواب، لكنها لا تملك أن تخلق الإبداع، كما لا تستطيع أن تمنع المبدع من التألق إذا غادرها.
ومن الإنصاف أن يُشكر كل من منح فرصة، وأن يُذكر كل من دعم أو علّم أو احتضن بداية الطريق.
لكن من الظلم أن يتحول هذا الشكر إلى عبودية فكرية، أو أن يصبح الامتنان عقدًا أبديًا يمنع صاحبه من امتلاك نجاحه، أو يُلزمه بأن ينسب كل إنجاز يحققه إلى غيره.
إن المبدع الحقيقي لا يتنكر لمحطاته، لكنه أيضًا لا يسمح لمحطة أن تختزل رحلته.
يأخذ من كل تجربة ما ينفعه، ويغادرها وهو أكثر نضجًا، ثم يبني فوقها تجارب أخرى، حتى يصبح نتاجًا لكل ما عاشه، لا أسيرًا لما مر به.
ولهذا فإن إطلاق الأحكام المطلقة من قبيل أن جهة بعينها هي التي صنعت الجميع، أو أن من مر بها لم يكن يعرف شيئًا قبلها، ليس دليل ثقة، بل علامة خوف من الاعتراف بأن الإبداع أكبر من أي مؤسسة، وأوسع من أي تجربة، وأعمق من أن يُختزل في اسم أو مكان.
فالتاريخ المهني لا يُكتب بصوتٍ مرتفع، بل بمنجزٍ باقٍ، والأسماء التي تخلدها الذاكرة ليست تلك التي ادعت صناعة الآخرين، بل التي صنعت أثرًا بقي بعد رحيلها.
سيظل الإعلام فضاءً مفتوحًا لا تُحيط به الجدران، وستظل الصحافة بحرًا لا يحتكره ميناء، وستبقى الكلمة الحرة عصية على المصادرة، لأنها لا تعترف إلا بميزان واحد: الكفاءة.
وعندما ينقشع غبار الادعاءات، وتسقط أوهام الاحتكار، تبقى الحقيقة وحدها واقفة؛ أن الإنسان يصنعه الله بالموهبة، ويصقله التعب، وتمنحه التجارب خبرتها، أما المؤسسات فدورها أن تفتح الأبواب، لا أن تدّعي امتلاك مفاتيح المستقبل.
فالفضل الحقيقي لا يطالب الناس بأن يحملوه على أكتافهم، بل يكتفي بأن يترك أثره في ضمائرهم.
أما الفضل الذي يطالب كل يوم بالتصفيق، ويُلوّح به كلما لمع اسم أو نجح إنسان، فقد فقد جوهره، وتحول من قيمة أخلاقية إلى ادعاء لا يصمد طويلًا أمام الحقيقة.
اذاً، تبقى الحقيقة أكثر رسوخًا من كل محاولات الاحتكار؛ فالكفاءة لا تحتاج إلى من يحتكر نسبتها، والموهبة لا تنتظر شهادة اعتماد من أحد، والإبداع لا يعيش داخل الأسوار المغلقة. أما الأفضال الحقيقية، فهي تلك التي تمنح الإنسان جناحين ليحلق، لا أغلالًا تبقيه أسيرًا لمن يذكّره بها في كل محطة. فالفضل الذي يُذكَّر به الناس كل يوم لم يعد فضلًا، بل أصبح وسيلة للوصاية، والوصاية لا تصنع مبدعين، بل تصنع التابعين. أما المبدعون الحقيقيون، فإنهم يصنعون أسماءهم بأعمالهم، ويتركون آثارهم في الميدان، بينما تبقى الحقيقة وحدها قادرة على تبديد غبار الادعاءات، تمامًا كما لا يستطيع أحد أن يحجب ضوء الشمس بغربال.

