حروف مبعثرة …

أرّقني أمر صاحبي ( الذي ذكرته في مقالي السابق ) وسط مشاغل الحياة وهمومها .. وحتى أقف معه في شدته كان لزاما عليّ أن أزوره في مكانه .. لملمت شجاعتي يممت شطر بيته .. طرقت الباب عليه في وقت مناسب .. تعمّدت أن لا يكون بيننا موعد مسبق حتى لا يفلت مني أو يجهّز لي بعض الأعذار التي تريحه ولا تقنعني ..
وقد كان أن فتح .. ما إن رآني حتى حملق في بنظرةٍ حادّة مشدوها وقال ( خير أن شاء الله ) أجبته كل الخير .. تسامرت معك البارحة فلم تعجبني اجاباتك ولا هيئتك فخصصتك بوقت هذه الساعة إن سمحت لي بالدخول …
كعادته في الترحيب والبشر أمسك بيدي بعد المصافحة الى مجلسه .. قبض على ساعدي واجلسني في أقرب أريكة حوله ثم سألني عسى ما عليك خلاف .. ما جاء بك في هذه الساعة وقد كنت البارحة معي ..
أجبته لم أقتنع بما تختزنه من مشاعر وما أجبت حولها .. وأنا هنا في مجلسك أحاول ان افهم ماذا كدر خاطرك وماذا يمكنني ان اقدمه لأعينك على تجاوز محنتك ..
إستقام من جلسته ثم قال .. يا سيدي حين تخرج الكلمات تفضح تماسكي الهش .. لذلك أحاول ان اعض على وجعي في كل ازمة تمر عليّ وأن ارتدي قناع الصلابة والمقاومة واتأزر بإزار الهمة وتحمل الصعاب حتى تسير الأمور الى خير ..
أجبته ورغم كل ما تقول يأتي وقت تخور الأقنعة تسقط الصلابة المزيفة والثمن ، هو نهش غطاء المقاومة حتى ينكشف المستور وقد ضاعت فرص التداوي وتجاوزت مرحلة التشافي .. ثم أكملت بالقول …
أحيانا يكون البوح هو قمة الشجاعة وليس الفضيحة كما تظن .. شريطة ان تراعي من تخالل ولمن تبوح بما يكدر عليك صفو عيشك .. وأعلم يقينا أنك لست وحدك من يعاني قالحياة تموج بالكثير الكثير لكن منهم من يرى جادة الصواب فيسلك الطريق الأهون على نفسه ومشاعره واحاسيسه ومنهم من يركب الصعاب فيصبح كمن يحاول ( خرط القتاد ) ..
أجابني يا سيدي انا أحبذ دائما التماسك حتى لا أرى ابتسامة الشامتين والحاقدين ومن لا يدركون دوافع ومسببات ما أعانية الكبرياء تمنعني ان أبوح لك أو لأقرب منك الى ذاتي بكل شيئ .. وأكمل قائلا …
الصداقة ليست سرجا تعتليه كل هموم من نخاللهم او نوادهم او لهم في قلوبنا منزلة عليا . ليس لعدم الثقة في من حولي لكن هناك بعض المشاعر الثمينة الجوهرية الخاصة التي تختزنها الذات بينها وبين مكنون سرها لا تريد ان يسمعها او يراها او يشعر بها غير حاملها .. تلك المشاعر الثقيلة في معناها ومسبباتها ترافق حاملها في صمت الليالي .. نحن نحتاج ان نتسامر معها بين وقت وآخر كلّما رأينا الصفاء في الوحدة خير جليس لنا لا يشاركنا أحد .. نسامرها عشقا وصبابة علّنا نشفى بها في مسار حياتنا الغامض الذي لا نعلم اين يقف بنا ومتى قطار السفر على دروب تلك المشاعر والأحاسيس .. وهو ما يقود في النهاية التمني بيننا البين بملاقاة الأجمل والأروع فعوض الله اثمن وأكنز من أي عوض .. وقد يكون في تلك النهايات المتوقعة التي نتخيل بل نتمنى أن نعيشها قريبا بحول الله هي اللحظة الحاسمة والسيف البتّار المنهي لعذاب الروح والجسد معا ..
حيرني ما سمعت منه .. بل أبهرني شتت الكلمات التي جمعتها لملاطفته وسبر اغوار مشاعره .. لكني تشجعت ثم قلت له لماذا لا تزيل قناع القوة المصطنع هذا وتعيش مشاعر مختلفة ردائها التصالح مع الضعف الذي نحمله جميعا في دواخلنا فنحن بشر ولسنا غير ذلك والله سبحانه هو القوي جل في علاه ..
استقام مرة أخرى امامي رتب على كتفي وقال .. أثني لك شكري وأزجيه مثنى وثلاث ورباع إلى حد رضاك أو يزيد ولو علمت أن لديك او اقرب منك الى نفسي رغم ثقل قدرك ومقدارك في نفسي لا أفضيت لك بالمكنون .. لكنها مشاعر اكتنزها لنفسي أعيش معها وتعيش معي اراجع فيها ومعها وبينها حساباتي أخطأت ام اصبت في تصرفاتي فمثلي قدير على قبول التصالح الموفي لكل ذي قدر قدره بيننا .. ولن يطول سهر الليالي ولا توهان الساعات حتى يستقر ينا الحال في ساحة التصافي الذي اسعى بكل قوتي أن يكون في وقت قريب …
كان ختام قوله نقطة نهاية جلستنا ودعته محتارا في أمر صرامته وتشبثه برأيه وقد يكون معه العذر وأنا الوم مؤملا أن اسمع عنه وأنتم كل خير .. دمتم في حفظ الباري والى لقاء بكم قريب ..

