كتاب الرأي

الإجازة.. فرصة لصناعة الإنجاز واستثمار الوقت في بناء الإنسان

✍️ أ. معدي حسين علي ال حيه 

تُعد الإجازة من أهم المحطات التي ينتظرها الجميع لما توفره من فرصة للراحة وتجديد النشاط، إلا أنها في الوقت ذاته تمثل موسمًا ثمينًا لاستثمار الوقت فيما يعود بالنفع على الفرد وأسرته ومجتمعه. فالوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وما يمضي منه لا يمكن استعادته، ولذلك فإن حسن التخطيط لأيام الإجازة ينعكس إيجابًا على شخصية الإنسان وإنجازاته ومستقبله.

ويرى التربويون أن الإجازة ليست فترة للتوقف عن التعلم أو الانضباط، وإنما هي مساحة أوسع لتنمية المهارات واكتشاف المواهب وممارسة الهوايات النافعة، بعيدًا عن ضغوط الدراسة والعمل. فالإنسان يستطيع خلال هذه الفترة أن يطوّر ذاته في مجالات متعددة، مثل القراءة، والتدريب، والتطوع، واكتساب المهارات التقنية واللغوية، والمشاركة في البرامج الثقافية والاجتماعية، بما يسهم في تنمية قدراته وتوسيع مداركه.

كما تمثل الإجازة فرصة لتعزيز الجانب الإيماني، من خلال المحافظة على الصلوات، والإكثار من تلاوة القرآن الكريم، والذكر، وطلب العلم، وحضور الدروس والمحاضرات، واستثمار أوقات الفراغ في الأعمال الصالحة التي تزيد من رصيد الإنسان الإيماني، وتمنحه الطمأنينة والسكينة.

وتبرز الأسرة بوصفها الشريك الأول في نجاح الإجازة، إذ يقع على عاتق الوالدين مسؤولية كبيرة في توجيه الأبناء نحو البرامج الهادفة، وتنظيم أوقاتهم، ومتابعة اهتماماتهم، وتشجيعهم على ممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، مع ترسيخ قيم المسؤولية والانضباط واستثمار الوقت. كما أن إشراك الأبناء في الأعمال المنزلية، والزيارات العائلية، والأنشطة التطوعية، يسهم في بناء شخصياتهم وتعزيز روح التعاون لديهم.

وفي المقابل، يحذر المختصون من أن تتحول الإجازة إلى فترة من الفراغ السلبي، أو السهر الطويل، أو الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، لما لذلك من آثار سلبية على الصحة، والتحصيل، والعلاقات الأسرية، والصحة النفسية، إضافة إلى ضياع الكثير من الفرص التي كان يمكن استثمارها فيما ينفع.

ويؤكد خبراء التربية أن النجاح في الإجازة يبدأ بوضع خطة واضحة تتضمن أهدافًا واقعية وبرنامجًا يوميًا متوازنًا يجمع بين العبادة، والراحة، والترفيه المباح، وممارسة الرياضة، والقراءة، والتعلم، والأنشطة الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين متطلبات النفس وواجباتها.

كما أن الإجازة تمثل فرصة ثمينة لاكتشاف المواهب وصقل القدرات، فقد تكون بداية لمشروع صغير، أو تعلم حرفة، أو إتقان لغة جديدة، أو تنمية مهارة تقنية، وهي خطوات قد تفتح آفاقًا واسعة للمستقبل، وتسهم في بناء جيل أكثر وعيًا وإنتاجًا.

إن قيمة الإجازة لا تُقاس بعدد أيامها، وإنما بما تحققه من أثر في حياة الإنسان. فكل يوم يُستثمر في علم نافع، أو عمل صالح، أو مهارة جديدة، أو خدمة للآخرين، هو رصيد يضاف إلى مسيرة النجاح والتميز. ومن هنا فإن اغتنام أوقات الإجازة بالتخطيط الجيد، والبرامج المفيدة، والتوازن بين الترفيه والإنجاز، يجعل منها محطة لبناء الذات، وتجديد الطاقات، والاستعداد لمراحل جديدة من العطاء والنجاح.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى