كتاب الرأي

“جوهر “الكلمة” دعوة للارتقاء بمهنة التحرير.

بثلم/ ناصرمضحي الحربي
في رحاب الصحافة، حيث تتسارع عقارب الساعة وتتزاحم الأنباء، يقع الكثيرون في فخ “العدد”؛ فيظنون أن تكديس الأخبار –عشرة كانت أو خمسين في اليوم الواحد– هو المعيار الأسمى للنجاح والاحتراف. لكن الحقيقة التي يغفلها هؤلاء هي أن قيمة الإعلامي لا تُقاس بـ “كمّ” ما ينشر، بل بـ “كيفية” ما يصيغ، وبمدى بصمته الشخصية التي يتركها في عالم الكلمة. إنّ جوهر الصحافة يكمن في تلك الأخبار القليلة –ثلاثة فحسب في اليوم تكفي– التي تُكتب بأناةٍ وحرفية، لتكون رصيداً ناصعاً في سجل الصحيفة، وشهادةً على جهد المحرر وعقله. أما من يغرق يومه في سبعين خبراً، كل أصلها منقول، وجوهرها مستهلك، فهو لا يصنع صحافة، بل يمارس عملية “نقل الأثاث” من مكان إلى آخر.
هذا “المحرر” لم يضف لصحيفته سوى الصدى، ولم يطور نفسه سوى في مهارة السرعة في “النسخ واللصق”، واهماً نفسه بأن هذا الزخم الرقمي سيصنع منه اسماً لامعاً في سماء المهنة.
لقد باتت “ثقافة النقل” آفةً تنخر في جسد الصحافة الإلكترونية، حتى إنّ الكثيرين عجزوا عن صياغة عنوانٍ جديد يكسر جمود النص، مكتفين بتغيير طفيف في ترتيب الجمل، ظانين أنهم أتوا بما لم تستطعه الأوائل.
والأنكى من ذلك هو ذلك “الخداع الذاتي” الذي يمارسه المحرر حين يضع اسمه على خبرٍ لم يبذل فيه قطرة عرق واحدة، متجاهلاً –بكل خفة– ذكر المصدر الأصلي، وكأنّه يسعى لسرقة شرف المحاولة والسبق.
إنّ الإبداع في الصحافة لا يقوم على أكتاف الآخرين، بل على مجهودٍ ذاتي يحترم القارئ ويحترم المهنة.
لا أدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، فمن خبرة السنين في دهاليز الصحافة الورقية وصولاً إلى فضاء الإلكترونية، لا أزال أشعر أنني طالبٌ في محراب هذه المهنة، أتتلمذ على أيدي من سبقوني.
إنّ الثقة بالنفس أمرٌ محمود، ولكنّ الغرور في الإدّعاء هو ما يهوي بصاحبه، لذا، فإنني أقطع على نفسي عهداً بأن لا يحمل اسمي خبرٌ لم يُصغَ من جديد، ولم يُحرر من قوالب العلاقات العامة الجامدة، ليكون له روحٌ مختلفة ومغايرة.
وعلى رفاق الحرف في كل الصحف الإلكترونية أن يدركوا حقيقةً راسخة: الأخبار وحدها لن تصنع إعلامياً.
الطريق إلى التميز لا يُعبّد بـ “قصاصات” الأخبار، بل يُبنى بالتقارير الاستقصائية، والتحقيقات العميقة، والحوارات التي يظهر فيها تعب المحرر، وتوقيع فكره، وثمرة بحثه. فلنترك خلفنا عصر “الاستسهال”، ولنعد إلى قدسية الخبر ومسؤولية الكلمة.
فالصحفي ليس “ناقلاً للخبر”، بل هو “صانعٌ للمعنى”، ومن أراد الخلود في ذاكرة المهنة، فعليه أن يكتب بقلبه وعقله، لا بأصابعه التي اعتادت الضغط على أزرار النسخ.
مهنة الصحافة هي مهنة “البحث عن المتاعب” كما يُقال، ومتاعبها الجميلة تكمن في صقل الحرف وتجويد المادة، عندما تكف عن كونك مجرد “ناقل” وتتحول إلى “صانع”، حينها فقط ستبدأ الصحف في البحث عنك، بدلاً من أن تبحث أنت عنها.
الانتقال من مرحلة النقل العشوائي للأخبار إلى الاحتراف الصحفي يتطلب امتلاك “الحرفة” وفهم هندسة صياغة المادة، حيث يبدأ المحرر الواعي بإدراك أن الخبر ليس مجرد نص يُحشد في القوالب، بل هو بناء هندسي متكامل يُعرف بـ “الهرم المقلوب”، وفيه تُوضع المعلومات الأكثر أهمية في المقدمة، لتأسر القارئ في ثوانٍ معدودة عبر الإجابة على الأسئلة الستة الجوهرية التي تحدد هوية الحدث، وهي: مَن، وماذا، وأين، ومتى، ولماذا، وكيف، ليأتي بعد ذلك جسم الخبر الذي يفكك هذه المقدمة ويضيف إليها الخلفيات التاريخية والاقتباسات الداعمة والأرقام، تاركاً الخاتمة للمعلومات الثانوية التي لا تخل بالجوهر إذا ما حُذفت.
ولكي يبتعد المحرر عن فخ التقليد، عليه أن يدرك أن عنوان الخبر هو واجهته التي يجب أن تُصاغ بذكاء؛ فالعنوان المحترف يبتعد عن الغموض والكليشيهات المستهلكة، ويتبنى “الفعلية والحركية” ليبث في الخبر حياةً وفورية، مع الالتزام بالإيجاز الشديد الذي لا يتجاوز ثماني كلمات، وهو ما ينطبق أيضاً على كيفية التعامل مع البيانات الصحفية التي ترد من جهات العلاقات العامة، حيث تكمن مهارة المحرر الحقيقي في القدرة على نزع قوالب المديح والثناء الدعائية واستخلاص الحقائق والأرقام المجردة منها، فبدلاً من نقل النص التمجيدي، يقوم المحرر بصياغة خبر مهني رصين يركز على المنجز الفعلي، وهو ما يرفع من قيمة المادة المنشورة ويجعلها مادة صحفية ذات وزن حقيقي.
إن التميز في هذا الميدان يفرض على الكاتب الالتزام بقواعد ذهبية لسلامة الصياغة ورشاقتها، ومن أهمها الابتعاد عن الحشو اللفظي والاختصار غير المخل، وتجنب أسلوب المبني للمجهول الذي يضعف من قوة الخبر، والاعتماد على لغة فصحى مبسطة وقريبة من لغة الحياة اليومية الراقية، مع الحرص التام على الدقة في ذكر الأرقام ووضعها في سياقات تسهل فهمها للقارئ، وهذه المهارات لا تكتمل إلا بخطة تدريبية عملية يطبقها المحرر يومياً، تبدأ بقراءة الخبر الأصلي وفهمه جيداً ثم إغلاق المصدر تماماً وكتابة المادة بأسلوب الشخص الخاص وببصمته المنفردة، قبل العودة للمراجعة والترتيب وفق قواعد الهرم المقلوب.
إن الطريق إلى النجومية في الصحافة لا يُعبّد بـ “قصاصات” الأخبار أو “النسخ واللصق” المتكرر، بل يُبنى بالنزول إلى الميدان والبحث عن تفاصيل جديدة، ومحاولة إجراء اتصال مع المصادر، والتحقق من الحقائق، وإعداد التقارير والتحقيقات التي تظهر فيها جودة جهد المحرر؛ فالمقارنة اليومية بين صياغة المبتدئ وصياغة وكالات الأنباء العالمية تعد مدرسة كبرى تمنح المحرر فهماً دقيقاً للفروق الجوهرية في اختيار الكلمات وترتيب الأولويات، فعندما يكف المحرر عن كونه مجرد ناقل للخبر ويتحول إلى صانع له، وحينما يبذل العرق في صياغة مادته وتجويدها، يبدأ حينها فقط في تشكيل اسمه المهني الخاص، ويصبح القلم الذي يبحث عنه القراء والصحف بدلاً من أن يظل في دوامة التكرار التي لا تصنع إعلامياً ولا تثري مهنةً. وفق الله الجميع لما فيه رقيّ الكلمة وأمانة القلم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى