ضريبة العظماء حين يغدو النجاحُ شوكةً في عيون المُهسترين .
بقلم / ناصرمضحي الحربي
ليس النجاحُ نزهةً في حدائقِ السكينة، ولا هو غنيمةٌ باردةٌ يُظفر بها دون ثمن، بل هو في حقيقته المرة ضريبةٌ باهظةٌ يُسددها المرءُ من رصيدِ طمأنينته حين يجدُ نفسَه في مواجهةٍ يوميةٍ مع طابورٍ طويلٍ من “أعداء النجاح”؛ أولئك الذين يترصدون بزوغَ كل نجمٍ في سماءِ العطاء، سواءً كان عطاءً فكرياً، أو اجتماعياً، أو إنسانياً، وكأنَّ تميزَ الآخرين إعلانٌ صريحٌ بفشلهم الذريع.
إنَّ هذه الظاهرة ليست مجرد استثناءٍ عابر في نسيجنا الاجتماعي، بل هي داءٌ عضالٌ يلاحق كل من تجرأ على ترك بصمةٍ في سجلِ الخلود، حيث اصطبغت نفوسٌ بالغل وتغلغلت في مساماتها أمراضُ الحسد والبغض؛ وهي آفاتٌ فتاكةٌ تفتك بالروحِ قبل الجسد، وتُعد من أشد الأوبئة الأخلاقية التي ابتُلي بها المجتمع.
وعندما نضع “الحسود” على طاولة التشريح، نجد فوارقَ جوهريةً بينه وبين المعتوه؛ فالمجنونُ الذي رُفع عنه القلمُ تصدرُ أفعاله عن غيابِ الإدراك، وهي حالةٌ تستوجبُ الشفقة والترفع، أما المريض بداء الحسد، فهو يمتلكُ كاملَ الأهلية العقلية ويدركُ تماماً فداحةَ فعله، لكنه يغرقُ في لُججِ نوباتٍ نفسيةٍ معقدةٍ تحيل التعامل معه إلى حقلِ ألغام، إذ إنَّ محاولةَ استرضاء هذا الصنف تشبهُ البحث عن مهدئاتٍ وهمية؛ فكلما اقتربت منه بـ “منطقِ” العقلاء، ازدادَ هو ضراوةً وتفتقت قريحتهُ عن مزيدٍ من العدائيةِ المبطنة، وفي أعماق هذا المريض يسكنُ شعورٌ سحيقٌ بالدونية، فهو يدركُ في لحظاتِ صدقهِ النادرة مع ذاته أنه عاجزٌ عن الإنتاج ومفتقرٌ لأدواتِ التميز، وهذا العجزُ هو المحركُ الأساسي لسلوكه الغريب، وبما أنه لا يملكُ نضجَ المُنتج ولا نبلَ المُراقب الذي يتركُ الناس وشأنهم، فإنه يختارُ طريقَ “الهستيريا” ليمارس طقوسَ الإزعاج محاولاً إقناعَ نفسَه بأنه ما زال موجوداً، دون أن يدرك أنَّ أفعالهم تلك ما هي إلا مرآةٌ عاكسةٌ لهشاشةِ ذواتهم، مما يجعلُ من محاورتهم عبثاً لا طائل منه.
إنَّ الترياقَ الوحيد لهذا السمِّ هو التجاهلُ المطبق، فالجدالُ مع هؤلاء ليس سوى وقودٍ يغذي غرورهم ويمنحهم شعوراً زائفاً بالأهمية، لذا يجبُ اعتمادُ سياسةِ الترفع بأن تمضي في طريقك وكأنهم غير موجودين في خارطةِ الوجود؛ فحين تقابلُ صخبَ حسدهم بصمتِ الواثقين، فإنك تسحبُ منهم أداةَ الترهيب الوحيدة، وهذا التجاهلُ يضعهم أمام جدارِ أنفسهم؛ فيبدأون في مواجهةِ واقعهم البائس، وتتسللُ إليهم مرارةُ الخجل حين يكتشفون أنَّ كلَّ ما حصده حسدُهم هو العزلةُ الموحشة، وأنَّ ثمارَ حقدهم لم تكن إلا نبذَ الناسِ لهم وتآكلَ الثقةِ في أعينِ المحيطين، ليبقى النجاحُ الساحق في نهاية المطاف هو الردَّ الأبلغ والوسيلةَ الأسمى لإسكاتِ كل الأفواه التي أرادت عرقلةَ المسير، فليكن نجاحك هو الجواب، وليكن صمتك هو العقاب، ولتكن إنجازاتك هي الشاهدَ الوحيد على أنَّ أعداء النجاح لا يملكون سوى مكانهم في الظل، بينما أنت تُحلق في سماءِ الحقيقة.

