نصف حكاية

الكاتب عادل النعمي :
بعد خمسين سنة عدت أجمع فتات حلم وذكريات! عندما أقف على حافة العمر، أستظل بلحظات ـ بيني وبينها ـ لها شوق المطر بعد الغياب.
ربما يعيش الإنسان بقلب يجول على قدمين… ولكن خارج جسده، شخص يحبه جداً، كل العالم يدور حوله، يخاف عليه من هبة الريح، وأدنى شعور يؤذيه!
أقف… ثم أسير ببطء… أتأمل بهدوء… تتراقص داخل لواعج الشوق… أنظر من خلال زجاج المقهى، المدينة تنام على خوائها، تتعمٌد بصهيل الريح، وأشباح الليل، تحلم بإرث البدايات مثلي!
خرجت من المقهى البارد، فقد أتيت قبلها بساعات، ربما لأعيد ترتيب أفكاري.
يتناثر عشاق على أرصفة مبتلة، كان الظلام صاخباً، ظللت أباعد بين الحصى والحصى بقدمي، ثم انحنيت ورسمت جناحين، ورسمت تحته بحراً يتأرجح بين مد وجزر، ويد تمد لي يدها! وربيعاً بلا فراشات، فأنا انتظر امرأة أنا من أحبها وتزوجها أخوه، والمؤلم أنها أتت تشكوه! فماذا سوف يقول لها، اصاب بالحيرة واتذكر كلام أبي” الكذب لا يسير على قدمين لكن الفضيحة تطير بلا أجنحة”.
أخشى أن أكون: الجرح والسكين، واللطمة والخد، والأطراف والعجلة، والضحية والجلاد.
المكان مؤثث بالصمت ـ كأخر لحظة من الحياة ـ أتت تخطو وهي تصطنع ابتسامة بنكهة القهوة والمطر.
سلمت في فتور، لكنها عادت وقبضت على يدي وابتسمت… سحبت يدي من يدها بخفة، ثم بعثرت نظراتها في كل اتجاه، ثم جلست وكأنها تهوي في فراغ، تزم شفتيها المفخخة بالكثير من الأحاديث والأشياء، وكذا الشعور.
شعرت بضجيج مخيف في عينها، عينيها تخبرني بنفاذ الفرح… تمددت المسافة بيننا، وتقلص الحديث، فقد حكت الكثير على الهاتف قبل أن نلتقي ـ فبادرت:
ـ بيننا الكثير من القواسم المشتركة أنا وأنت، تركك أخي لتتحملي تبعات أفعاله، قد يواسيك أن تعرفي أنك لست أول شخص يجازف من أجله! ارتكبت نفس الخطأ مرارا وتكرار… والآن جازفت من أجله ويلقي باللوم عليك، يا لها من فوضى!
غطت ثغرها بكفها، ثم وضعت سبابتها في المنتصف وهي تسمع لي في خشوع وحسرة وتنظر إلى الأرض بين الحين والآخر، وكأنها ذهبت إلى عالم مواز ثم بدأت دموعها في الانهمار ببطء… أعطيها منديلاً، ثم أصبحت ملامحها تنكمش في انطفاء مخيف، خيم بيننا لغة ذات حديث مبتور، يوحي بين السطور، بنكهة اللوم والعتاب، فقد كنت أعرفها وهي طفلة ـ همستُ:
ـ هل أخبرك بشيء عن والدنا.
ـ لم يخبرني بالكثير عنه.
ـ والدي… والدنا كان تجسيدا للخير ـ ظل ناسك ـ لا أظن أنه كان حتى قادراً على رؤيته الألم في أية صورة، وكأنه ولد مجردا من جينات الشر، كان يملك متجرا صغيرا عند الزاوية يبيع فيه الخبز والحلوى الرخيصة، لم يكن متجرا مميزا لكنه كان كفيلا بتوفير الطعام لأسرتنا، وكان أهل الحي يحبون أبي، كان يعرف أسماء الجميع وأحداث حياتهم، ذلك المتجر الصغير جعل منه جنة، وقد اشتراه من رجل منذ نعومة أظفاري، قبل ذلك كان يعمل عدد أشخاص مختلفين على مر الأعوام.
كان يحلم بأن يكون تاجراً، وعندما بدأت ادرس في الجامعة في مدينة أخرى، حينها استعان بأخي الأصغر ـ زوجك ـ لإدارة المتجر، كبر أخي الأصغر في ذلك المتجر، يشاهد والدنا أثناء العمل، لكن أبي لم يكن رجل أعمال يقظ، وفي النهاية واجه ضائقة مالية، كنت محاميًا تحت التدريب أنذاك… لكني عدت إلى الديار لأساعده في تنظيم حساباته، والحد من الخسائر، لست محاسباً، لكنني اكتشفت اختفاء (واحد وعشرون ألف ريالاً) تلاشت على مر ثلاثة أعوام.
اتضح أن أخي الأصغر كان يختلسها على دفعات صغيرة، كان يأخذها من خزينة المتجر، رفض أبي أن يصدق اتذكر صوته “لا، لا، ليس ابني المحبب” في النهاية اضطر إلى بيع بقالته، وتوفي بعدها بستة أشهر، في الجنازة لم بيك أحد كما بكى أخي الأصغر، أخي ليس شخصا فاسداً… إنه يتمتع بطيبة القلب، كل ما في الأمر، إنه لا يستطيع التحكم في رغباته.

