“سفير خادم الحرمين الشريفين” في حوار شامل حول أسئلة الهوية ومستقبل الصناعات الثقافية في ظل الرؤية.

• التغيير يبدأ من العقل قبل المؤسسات
• الأصالة والتحديث.. معادلة سعودية متوازنة
• الثقافة مشروع مجتمع لا مشروع نخبة
•معركة المستقبل ليست على الوصول إلى المعلومة.. بل على جودة المعلومة
حوار خاص لوقع الحدث/ د. منصور الغامدي
من قطاع مكمل إلى ركيزة تنموية أساسية؛ هكذا تحولت الثقافة في المملكة العربية السعودية لتربط الماضي بالمستقبل، وتصبح قوة ناعمة وشريكاً فاعلاً في التحول الوطني لـ “رؤية 2030”. وفي ظل هذا الحراك السريع، تبرز تساؤلات ملحة حول الهوية، والانفتاح، ومستقبل الصناعات الثقافية، وكيفية تحقيق التوازن بين الأصالة والتحديث.
حول هذه الملفات: يلتقي موقعنا “وقع الحدث” بمعالي الأستاذ عبدالرحمن بن احمد الحربي” سفير خادم الحرمين الشريفين” – لدى جمهورية الصين الشعبية – لنسلط الضوء على أبرز قضايا المشهد الفكري السعودي، ونستطلع رؤيته لتحديات وآفاق الثقافة في عالم دائم التغيّر.
0: يتحدث الملك سلمان باستمرار عن العمق الحضاري والثقافي للمملكة وعن دور الثقافة العربية الإسلامية في بناء الحضارة الإنسانية- برأيكم، هل ما زلنا نُحسن تقديم هذا الإرث للعالم، أم أن هناك فجوة بين ما نملكه من رصيد حضاري وما نقدمه فعلياً؟
00: أعتقد أن المملكة تمتلك رصيداً حضارياً وثقافياً ضخماً، لكن التحدي التاريخي لم يكن في امتلاك الإرث، بل في كيفية تقديمه للعالم بلغة معاصرة. خلال السنوات الأخيرة بدأنا نردم هذه الفجوة عبر مشاريع التراث والثقافة والمتاحف والفعاليات الدولية، لكن الطريق ما زال مفتوحاً لمزيد من العمل حتى يتحول هذا الإرث إلى قوة معرفية عالمية مؤثرة.
0: يقال إن التنمية الاقتصادية يمكن قياسها بالأرقام، لكن التنمية الثقافية أكثر تعقيداً – كيف يمكن معرفة ما إذا كانت المملكة حققت بالفعل تقدماً ثقافياً ضمن مستهدفات رؤية 2030؟
00: يمكن قياس ذلك من خلال مؤشرات عدة؛ حجم المشاركة المجتمعية في الأنشطة الثقافية، ونسبة القراءة، وعدد المبادرات الإبداعية، وحضور الصناعات الثقافية في الاقتصاد الوطني، والأهم من ذلك كله مدى تأثير الثقافة في سلوك المجتمع ووعيه.
الثقافة الحقيقية لا تقاس بعدد الفعاليات فقط، بل بحجم الأثر الذي تتركه في الإنسان.
0: الأمير محمد بن سلمان قال إن التحدي الأكبر كان إقناع الناس بإمكانية التغيير. من وجهة نظركم- هل كان التحدي ثقافياً أكثر منه اقتصادياً أو إدارياً؟
00: نعم، لأن أي تحول يبدأ من العقل قبل المؤسسات، عندما يقتنع الإنسان بجدوى التغيير يصبح جزءاً من صناعته، لذلك كان بناء الثقة المجتمعية أحد أهم عوامل نجاح التحول الوطني، وربما أهم من كثير من الإجراءات التنفيذية.
0: هناك من يرى أن المجتمعات في عصر العولمة قد تضطر إلى تقديم تنازلات ثقافية مقابل الانفتاح – هل تعتقد أن المحافظة على الهوية الثقافية أصبحت أكثر صعوبة اليوم؟
00: المحافظة على الهوية ليست معركة ضد العالم، بل معركة وعي بالذات، المجتمعات الواثقة من ثقافتها لا تخشى الانفتاح. الخطر الحقيقي ليس في التواصل مع الآخر، بل في ضعف المعرفة بالذات.
كلما تعمق المجتمع في فهم هويته أصبح أكثر قدرة على التفاعل مع العالم دون أن يفقد ملامحه الأساسية.
0: شهد المجتمع السعودي تحولات ثقافية كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة – هل تعتقد أن المجتمع استوعب هذه التحولات بالكامل أم أن بعض الأسئلة ما زالت معلقة؟
00: التحولات الكبرى دائماً تثير الأسئلة، وهذا أمر صحي، لكن ما يلفت الانتباه أن المجتمع السعودي أثبت قدرة عالية على التكيف والتفاعل، لا شك أن هناك نقاشات مستمرة حول بعض القضايا، لكن وجود النقاش بحد ذاته مؤشر على حيوية المجتمع لا على وجود أزمة.
0: البعض ينتقد المثقف السعودي ويقول إنه لم يكن حاضراً بما يكفي في شرح التحولات الكبرى للمجتمع. هل توافق هذا الرأي؟
00: إلى حد ما – بعض المثقفين ظلوا يتحدثون إلى النخبة أكثر مما يتحدثون إلى المجتمع. المرحلة الحالية تتطلب من المثقف أن ينزل من برجه الأكاديمي وأن يخاطب الناس بلغة مفهومة دون أن يفقد عمقه المعرفي.
0: هل تعتقد أن الجامعات السعودية نجحت في صناعة وعي ثقافي يواكب التحولات الوطنية، أم أنها ما زالت أسيرة الدور التعليمي التقليدي؟
00: الجامعات حققت خطوات مهمة، لكن ما زالت أمامها فرصة أكبر لتكون مراكز لإنتاج الأفكار وصناعة المبادرات الثقافية لا مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، الجامعة الحديثة يجب أن تكون شريكاً في صياغة الوعي المجتمعي.
0: يتردد كثيراً مصطلح “التوازن بين الأصالة والتحديث”- برأيكم، هل نجحت المملكة فعلاً في تحقيق هذا التوازن أم أن الحكم النهائي ما زال مبكراً؟
00: التجربة السعودية تقدم نموذجاً مهماً في هذا الجانب، فبينما نشهد تحديثاً واسعاً في مختلف القطاعات، نرى في الوقت ذاته اهتماماً متزايداً بالتراث والهوية الوطنية ،التحدي ليس في تحقيق التوازن فقط، بل في استدامته للأجيال القادمة.
0: لو طلبنا منكم تحديد أخطر تحدٍ ثقافي يواجه المجتمع السعودي اليوم، ماذا سيكون؟
00: أرى أن التحدي الأكبر هو بناء محتوى معرفي وثقافي عميق قادر على مواجهة التدفق الهائل للمعلومات السطحية في الفضاء الرقمي، معركة المستقبل ليست على الوصول إلى المعلومة، بل على جودة المعلومة وموثوقيتها.
0: يصف البعض الثقافة بأنها قطاع استهلاكي يعتمد على الدعم الحكومي – هل يمكن للثقافة أن تتحول فعلاً إلى صناعة اقتصادية مربحة؟
00: هذا المفهوم تغير عالمياً- اليوم أصبحت الصناعات الثقافية والإبداعية من أسرع القطاعات نمواً.
المملكة تمتلك مقومات كبيرة في السينما، والنشر، والتراث، والأزياء، والفنون، والسياحة الثقافية.
التحدي هو الانتقال من الفكرة إلى صناعة مستدامة تحقق القيمة الاقتصادية والثقافية معاً.
0: المملكة نجحت في تسجيل عناصر عديدة من تراثها لدى اليونسكو. هل هذه الإنجازات رمزية فقط أم أنها تحقق مكاسب استراتيجية أعمق؟
00: هي أبعد من الرمزية بكثير- عندما يسجل العالم عناصر تراثك فهو يعترف بمكانتك الحضارية. هذا الاعتراف يتحول إلى قوة ناعمة، وإلى فرص اقتصادية وسياحية وثقافية، ويعزز حضور المملكة في الوعي العالمي.
0: في ظل انتشار المراكز الثقافية والمتاحف والفعاليات الفنية، هل بدأت الثقافة تتحول إلى سلوك يومي لدى المواطن أم أنها ما زالت نشاطاً موسمياً؟
00: ما زلنا في مرحلة البناء، لكن المؤشرات مشجعة، عندما تصبح زيارة المتحف أو حضور ندوة ثقافية أو فعالية فنية جزءاً من نمط الحياة اليومي، نكون قد انتقلنا إلى مرحلة أكثر نضجاً في التنمية الثقافية.
0: الذكاء الاصطناعي يفرض واقعاً جديداً على الإعلام والثقافة. هل ترى فيه فرصة أم تهديداً للمثقف السعودي؟
00: هو فرصة وتهديد في الوقت نفسه. فرصة لمن يوظفه في إنتاج المعرفة وتوسيع دائرة التأثير، وتهديد لمن يكتفي بدور المتلقي. المستقبل سيكون للمثقف القادر على الجمع بين العمق الفكري والكفاءة التقنية.
0: أخيراً، برأيكم هل توجد فجوة بين الخطاب الثقافي النخبوي واهتمامات المواطن العادي؟
00: نعم، في بعض الأحيان. والمطلوب اليوم أن تتحول الثقافة من حديث للنخب إلى مشروع مجتمعي شامل.
عندما يشعر المواطن أن الثقافة تساعده على فهم حياته ومستقبله وقضاياه اليومية، تصبح الثقافة قوة تغيير حقيقية لا مجرد نشاط فكري.

