شخصية في المجتمع

الثقافة تصنع المعنى.. والمثقف شريك أساسي في نجاح رؤية 2030

حوار خاص لصحيفة وقع الحدث

حاوره: د. منصور الغامدي

امتداداً لسلسلة حواراتها الثقافية، تحاور صحيفة “وقع الحدث” الإعلامي والمهتم بالحراك الثقافي الأستاذ أحمد القرني، في إطلالة تحليلية للمشهد الثقافي المحيط بنا. يطرح القرني رؤية متزنة تدمج بين الهوية الوطنية والانفتاح العاصري، تزامناً مع القفزات التنموية التي تشهدها المملكة تجسيداً لرؤية 2030. كما يضع الإصبع على الجرح مستعرضاً مسؤولية النخبة المثقفة والصروح الأكاديمية في صياغة وعي جمعي قادر على قيادة التحول مع الحفاظ على الهوية والأصالة.

في هذا الحوار، نتوقف معه عند عدد من القضايا الثقافية والمعرفية التي تشكل ركيزة أساسية في مسيرة التنمية الوطنية.

■ هل ترون أن المملكة نجحت في تحقيق التوازن بين الأصالة والتحديث؟ ولماذا؟

■ ■ أعتقد أن المملكة نجحت إلى حدٍ كبير في تحقيق هذه المعادلة الدقيقة، وهي من أصعب المعادلات التي تواجه الدول في مسارات التحول والتنمية. وقد لخّص صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان هذه الرؤية بعبارة واضحة حين قال: «لن نسمح بأن يُختطف بلدنا متطرف أو متساهل».

فجوهر التوازن يكمن في تجنب الإفراط والتفريط معًا؛ فلا انغلاق يعيق التقدم، ولا انفتاح يفقد المجتمع هويته وقيمه. وما نشهده اليوم من تطور في مختلف المجالات يؤكد أن المملكة استطاعت أن تقدم نموذجًا يجمع بين المحافظة على الثوابت والانطلاق نحو المستقبل بثقة وطموح.

■- كيف يمكن للمثقفين والأدباء والأكاديميين الإسهام في تعزيز الوعي المجتمعي بأهداف رؤية 2030؟

■ ■ – دور المثقفين والأدباء والأكاديميين دور محوري وأساسي في هذه المرحلة. فالمشروعات التنموية مهما بلغت ضخامتها تبني الحجر، بينما يبني المثقف الإنسان القادر على فهم هذه المشروعات والإيمان بأهدافها.

وتحضر هنا مقولة سمو ولي العهد: «بلدكم قوي برجاله ونسائه، وبشبابه الذي هو الطاقة التي لا تنضب». فالمثقفون والأكاديميون يمثلون هذه الطاقة الناعمة التي تمنح المشروعات بعدها الإنساني والثقافي.

ويمكن تلخيص العلاقة في معادلة بسيطة:

* رؤية 2030 من دون الوعي الثقافي أشبه بجسد بلا روح.

* والمثقف من دون مشروع وطني جامع يشبه روحًا بلا جسد.

لذلك فإن التكامل بين الطرفين هو ما يصنع الأثر الحقيقي في المجتمع.

■ -ما الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الثقافية والجامعات في ترسيخ قيم الانفتاح المعرفي مع المحافظة على الهوية الوطنية؟

■ ■ -المسألة هنا تقوم على التكامل بين العقل والوجدان. فالجامعات تملك مهمة بناء العقل النقدي القادر على التفكير بعالمية من منطلق محلي، بينما تؤدي المؤسسات الثقافية دورًا مهمًا في تعزيز الشعور بالفخر بالهوية الوطنية مع الانفتاح على التجارب الإنسانية المختلفة.

ومن هذا المنطلق، فإن الجامعات والمؤسسات الثقافية تمثل خط الدفاع الأول أمام خطرين متقابلين:

الأول: الانعزال والانغلاق، وهو ما يحد من فرص التطور والتفاعل مع العالم.

والثاني: الذوبان وفقدان الخصوصية الثقافية، وهو ما يهدد الهوية الوطنية ويضعف الانتماء.

والنجاح الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين هذين الطرفين.

■ -أشار الأمير محمد بن سلمان إلى أن أكبر التحديات يتمثل في إيمان الناس بما يجري من تغييرات. كيف تفسرون العلاقة بين التحديث الثقافي وقبول المجتمع لبرامج التحول الوطني؟

■ ■ -العلاقة وثيقة للغاية؛ لأن أي مشروع تنموي لا ينجح بالأرقام والخطط وحدها، بل يحتاج إلى قناعة مجتمعية تمنحه الاستدامة والدعم.

ويمكن تفسير ذلك من خلال معادلة رمزية مفادها: إذا قطعت الجذور بحثًا عن ثمار سريعة ماتت الشجرة، وإذا تمسكت بالجذور ورفضت الثمار أصابها الجمود.

التحديث الثقافي الحقيقي هو الذي يحافظ على الجذور ويمنحها القدرة على إنتاج ثمار جديدة. وهو الذي يجعل المواطن يرى أن المشاريع المستقبلية الكبرى ليست قطيعة مع الماضي، بل امتداد طبيعي لتاريخه الحضاري وإرثه الثقافي.

ومن هنا جاءت أهمية حديث سمو ولي العهد عن «إيمان الناس» باعتباره التحدي الأكبر، لأن الشعوب لا تتحرك خلف الخطط الجافة وحدها، وإنما تتحرك عندما تدرك المعنى الكامن وراء تلك الخطط. والثقافة هي الأداة الأهم في صناعة هذا المعنى وترسيخه في الوعي المجتمعي.

■ -كلمة أخيرة تذيل فيها حوارنا 

■ ■ -إن التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة اليوم لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية والتنموية فحسب، بل تشمل بناء الإنسان وتعزيز وعيه بدوره في صناعة المستقبل. ومن هنا تبرز أهمية الثقافة والمعرفة باعتبارهما الجسر الذي يربط بين الهوية الوطنية والطموح التنموي، ويحول الرؤية من مشروع حكومي إلى قناعة مجتمع.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى