فرص الريادة في اقتصاد المستقبل

بقلم: سليمان عبدالله المسلم
الرئيس التنفيذي لـ ريدبل موبايل السعودية
لطالما شكّل الموقع الجغرافي للمملكة العربية السعودية، ومكانتها القيادية في العالمين العربي والإسلامي، سبباً مباشراً في تعاملها المستمر مع تحديات إقليمية ودولية. إلا أن المملكة لم تسمح يوماً لهذه التحديات بأن تعيق مسيرتها التنموية، بل حافظت على تركيز استراتيجي واضح نحو تحقيق التقدم والتنمية المستدامة
أعلنت المملكة عام 2026 “عام الذكاء الاصطناعي”، امتداداً لهذا النهج الطموح، ورؤية مستقبلية تهدف إلى دعم وتطوير الثورة التقنية للألفية الثالثة، بما يتيح الاستفادة من هذا التطور على نطاق عالمي
لم تكن تسمية عام 2026 بـ “عام الذكاء الاصطناعي” خطوة رمزية، بل إعلان واضح بأن هذه التقنية ليست خياراً، بل أولوية استراتيجية في صلب الاقتصاد الوطني، ومحركاً رئيسياً لمسيرة التنمية التي تشهدها مختلف القطاعات في المملكة
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية واعدة، بل واقع فرض نفسه، متجاوزاً كل التوقعات، ومعيداً تشكيل قواعد اللعبة. وبرأيي، لم يعد السؤال اليوم “كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي؟” بل “من سيشارك في قيادة هذا التحول العالمي؟” — والإجابة تؤكدها الأرقام؛ حيث تصدرت المملكة المرتبة الخامسة عالمياً ضمن المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي، والأولى عربياً
أذكر جيداً بدايات إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات خدمة عملاء شركة ريدبل موبايل السعودية، حيث صاحبها قدر من الترقب والشك. إلا أن النتائج جاءت واضحة؛ سرعة أعلى في الاستجابة، دقة أفضل في تشخيص المشكلات، وارتفاع ملحوظ في رضا العملاء، إلى جانب تحسين الكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف. وكانت هذه التجربة دليلاً عملياً على قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث تحول حقيقي في قطاع الاتصالات
وكمتخصص في قطاع الاتصالات، أرى أننا في المملكة لم نكتفِ ببناء بنية تحتية متقدمة للاتصالات، بل نعمل، بدعم القيادة الرشيدة، على تمكين هذا القطاع ليكون العمود الفقري الذي يقوم عليه كل ما نصفه اليوم بـ”الذكي”. فخلف كل خوارزمية ذكاء اصطناعي، وكل جهاز ضمن منظومة إنترنت الأشياء، وكل مدينة ذكية في المملكة، تقف شبكات اتصالات متقدمة تعمل بصمت لضمان سرعة واستقرار تدفق المعلومات للمواطنين والمقيمين
تعتمد شبكات الاتصالات في المملكة اليوم على الجيل الخامس (G5)، الذي أحدث نقلة كبيرة في السرعة والاتصال. إلا أن التحول نحو الجيل السادس (G6) لن يكون مجرد امتداد لهذه السرعة، بل نقلة نوعية في كيفية عمل الشبكات نفسها؛ حيث تصبح أكثر ذكاءً وكفاءة، قادرة على التنبؤ بالأعطال، وإدارة البيانات، واتخاذ القرارات في الزمن الحقيقي. وهنا، يصبح الذكاء الاصطناعي المحرك الأساسي لهذا التحول
إن قطاعي الاتصالات والذكاء الاصطناعي يمثلان ركائز اقتصاد المستقبل، وقد وفرت الدولة كل الممكنات لضمان استدامة الريادة في هذا المجال، حتى أصبحت المملكة نموذجاً في تقديم حلول المنظومات التقنية المتكاملة، مثل الحوكمة الرقمية، لتتفوق على العديد من التجارب العالمية
لقد نجحنا في بناء منظومة تقنية متكاملة، ووضعنا أنفسنا في موقع متقدم عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي. لكن الاستمرار في هذه الريادة لم يعد خياراً، بل مسؤولية تتطلب جيلاً شغوفاً بالعلوم والتقنية، واعياً بأهمية هذا المستقبل، وقادراً على تجاوز التحديات بثقة، ليتمكن من تحويل فرص اليوم إلى إنجازات وطنية في المستقبل

