كتاب الرأي

راية المجد: من فجر التأسيس إلى آفاق الرؤية

بقلم: ناصرمضحي الحربي
في الحادي عشر من مارس، تتجه قلوب السعوديين قبل أبصارهم نحو السماء، حيث تخفق الراية الخضراء مهيبةً شامخة، معلنةً احتفاء المملكة بـ “يوم العلم”.
هذا اليوم ليس مجرد مناسبة عابرة في تقويم الأيام، بل هو وقفة إجلال لرمز السيادة، وقصة تمتد لثلاثة قرون من المجد، بدأت فصولها منذ عهد التأسيس الأول عام 1727م، حين رُفعت أول راية خضراء مشغولة من الخز والإبريسم “الحرير” لتكون عنواناً لوحدة المصير ومنارةً للهدى، يطل علينا بعبق التاريخ مستحضراً القرار التاريخي للملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- في عام 1937م، حين أقرّ شكل العلم السعودي بدلالاته العميقة؛ ففي وسطه تتجلى كلمة التوحيد “لا إله إلا الله محمد رسول الله” لتختصر رسالة السلام والإسلام التي قامت عليها هذه الدولة المباركة، وتحتها يقبع السيف المسلول رمزاً للقوة والعدل اللذين يحميان هذا السلام، أما اللون الأخضر فهو تبشير بالنماء والرخاء، يعانقه بياض التوحيد رمزاً للنقاء والصدق.
لقد كان العلم السعودي شاهداً حياً على ملاحم التوحيد، رافق الفرسان في الميادين، وظل عالياً لا يطاله الانتكاس، منفرداً بهذه الخصوصية بين أعلام دول العالم أجمع؛ لأنه يحمل في طياته كلمة التوحيد التي لا تعلو عليها كلمة، وقد مرّت هذه الراية بمراحل من التطوير التشريعي والجمالي؛ فمن الراية المربعة في عهد الدولة السعودية الأولى والثانية، إلى إضافة السيفين المتقاطعين في بدايات عهد الملك عبد العزيز، وصولاً إلى الاستقرار على السيف الأفقي الواحد تحت شهادة التوحيد، ولم تكن هذه التعديلات إلا انعكاساً لنضج الدولة واستقرار أنظمتها، حيث تتابعت المراسيم الملكية وقرارات مجلس الشورى لتنظيم مقاسات العلم وأنواعه، وصولاً إلى النظام الأساسي للحكم الذي حدد مواصفاته بدقة متناهية، ليأتي صدور الأمر الملكي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود -أيده الله- في عام 2023م بتخصيص هذا اليوم يوماً للعلم، تجسيداً لاهتمام القيادة بربط الأجيال بهويتهم الوطنية، واحتفاءً بالقيم التي يمثلها هذا الرمز من تلاحم وائتلاف ووحدة وطنية تكسرت على صخرتها كل التحديات.
ولا يقف احتفاؤنا اليوم عند حدود الذاكرة التاريخية فحسب، بل هو استشرافٌ لمستقبلٍ صاغت ملامحه رؤية المملكة 2030؛ فهذا الخفقان الأخضر الذي نراه اليوم في مياديننا، هو ذاته المحرك لطموحنا الذي يعانق عنان السماء، حيث يلتقي عمقنا العربي والإسلامي المتمثل في كلمة التوحيد، مع نهضتنا التنموية الشاملة التي تترجمها مستهدفات الرؤية في مجالات الابتكار، والاقتصاد المستدام، وجودة الحياة.
إن العلم السعودي اليوم ليس مجرد رمز للسيادة، بل هو راية تقود التحول العالمي، وشعار لجيلٍ يؤمن بأن “القوة والعدل” هما الركيزتان اللتان تنطلق منهما المملكة نحو الريادة الدولية، ومع كل إنجاز وطني جديد في مشاريعنا العملاقة، أو في المحافل العلمية والرياضية العالمية، يرتفع هذا العلم ليؤكد للعالم أن رحلة النماء التي بدأت قبل قرون، تمضي اليوم بقوة وثبات نحو آفاق لا تعرف المستحيل، تحت ظل قيادة حكيمة جعلت من الإنسان السعودي وقوداً لهذا التغيير، ومن هذه الراية عنواناً لمستقبلٍ أخضر يليق بمكانة العلياء.

ــــــــــــ

نشر في تاريخ 2026/03/11
وقع الحدث- كتاب الرأي

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى