اخبار محلية

الدُّخن في منطقة جازان.. ذاكرة الحقول وإرثٌ تتناقله الأجيال ..

جازان واس :-

زراعة الدخن في جازان فتحت صفحةً ممتعة من ذاكرتها الزراعية التي امتدت على مر الأجيال السابقة ولا زالت محط إهتمام وعناية المزارعين التي بدأت من الحقول الرملية التي أَلِفَت مواسم المطر، ومن صلةٍ بالأرض نسجتها أيدي المزارعين عبر أجيال، لتعود كل موسم صورة الحبوب وهي تُبذر في التربة، مستحضرةً إيقاعًا زراعيًا ظل حاضرًا في حياة الأهالي.

يمتد موسم زراعة الدخن من منتصف أغسطس إلى منتصف فبراير، عابرًا ثلاثة مواسم محلية هي الخريف والمخرط والسعودات، أو الموسم الصيفي، وتعتمد زراعته في الأراضي الرملية التي لا تصلها السيول على مياه الأمطار وما تختزنه التربة من رطوبة.

يرى المزارع حسن حبيبي، الذي اختارته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) مزارعًا قياديًا على مستوى المملكة لعام 2026م، أن مواصلة زراعة الدخن تحفظ إرثًا تشكّل من معارف الآباء والأجداد، وتُبقي للمحصول مكانته موردًا غذائيًا وزراعيًا واقتصاديًا، بما يعزز الأمن الغذائي في المنطقة.
وفي تفاصيل البذر، أوضح أن خبرة المزارعين تجلّت في طريقتين توارثوهما، تقوم الأولى، “النّدِيل”، على أن يفتح المزارع بعصاه حفرةً صغيرة في الأرض، يودع فيها الحبوب، ثم يغطيها بالتراب بمشط قدمه، مع إبقاء التربة حولها مفككة لتسهيل الإنبات وخروج البادرات، ويترك بين الحفرة والأخرى مسافةً تصل إلى مترين، لتجد كل “رزوة”، وهي مجموعة من قصبات الدخن، مجالًا للنمو.

أما الطريقة الثانية، “الرزْي”، فتُنثر فيها الحبوب خلف المحراث الذي كانت تجرّه الثيران قديمًا، فيما تتولى الحراثة الآلية هذه المهمة اليوم، ثم تُمرَّر “الدمّاسة” أو “المكمّة” على الأرض بهدف تغطية البذور وتثبيتها والمحافظة على رطوبتها ..

https://portalcdn.spa.gov.sa/backend/original/202610/F11069357.jpg

ومع بذر الحبوب، تبدأ رعاية المحصول بحماية البذور والبادرات من الطيور، ومتابعة نمو القصبات، وإزالة الأعشاب بأداة حديدية تُعرف بـ”المِغْراب”، يستخدمها المزارع لقص الأعشاب عند سطح التربة، وكانت الأسرة قديمًا تتقاسم أعمال الحقل، فيمكث بعض أفرادها للتعشيب وحماية الزرع من المواشي، ثم يتولون حراسة السنابل من الطيور منذ تكوّن الحبوب حتى قطافها، في صورةٍ من التعاون الأسري الذي توارثه الأهالي بوصفه جزءًا من إرثهم الزراعي.

وتظهر سنابل الدخن بعد نحو 45 يومًا من الزراعة، ويبدأ قطاف الناضج منها بعد قرابة ثلاثة أشهر، بحسب الصنف وموعد الزراعة، ويُقطف المحصول يدويًا على مراحل، إذ تنمو من آباط الأوراق تفرعات تحمل سنابل جديدة، وقد يمتد الإنتاج نحو تسعة أشهر متى توافرت الرطوبة والظروف الملائمة.
وكان الأهالي يفصلون الحبوب يدويًا في عملية تُعرف بـ”الخبيط”، فيما تُستخدم اليوم “الخبّاطة” أو “الدرّاسة” لفصلها آليًا، وتبقى تسمية العمل القديم حاضرةً في مفردات الزراعة المحلية.
وينتمي الدخن المحلي إلى الدخن اللؤلؤي، وتضم جازان منه نحو 21 صنفًا تتباين في أشكال السنابل وأطوالها، وأحجام الحبوب وألوانها، وملمس الأوراق.

https://portalcdn.spa.gov.sa/backend/original/202610/F11069364.jpg https://portalcdn.spa.gov.sa/backend/original/202610/F11069366.jpg

ومن الحقول تصل حبوب الدخن إلى موائد الأهال في أكلات شعبية، منها “المفالت وأقراص الدخن”، لتكتمل رحلته من حبةٍ تستودعها الأرض إلى أطباقٍ شعبية تستعيد مذاق المواسم، وتبقى حكايته شاهدةً على موروث زراعي متصل بحياة الأهالي ومتجدد مع كل موسم.

شاركنا رأيك ✍️ هل تتفق مع ما ورد في الموضوع؟ ننتظر تعليقك ورأيك بكل صراحة.. فصوتك يهمنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى