الجلسة الذهبية..

بقلم: عبدالعزيز المتعاني
هناك مواقف تمرّ بنا عابرة لكنها تترك في نفوسنا أثرًا عميقًا وتوقظ في قلوبنا معاني عظيمة ربما غفلنا عنها وسط مشاغل الحياة. وقد تكون كلمة نقولها بعفوية سببًا في تأمل طويل يجعلنا ندرك قيمة نِعَمٍ نعيشها ولا نستشعر عظيم قدرها إلا حين نفقدها.
اتصلتُ بصديق عزيز اعتدتُ التواصل معه هاتفيًا باستمرار فردّ عليّ قائلًا: «أنا جالس عند الوالد»، فقلت له: «ما شاء الله كتب الله لك الأجر والله إنك في جلسة ذهبية الله يحفظه لكم ويرزقكم برّه»، ثم قلت له: «سأتصل بك في وقت آخر»؛ حتى لا أشغله عن والده ولا أقطع عليه تلك اللحظات الثمينة.
وبعد انتهاء المكالمة بقيت عبارة «الجلسة الذهبية» تتردد في ذهني فوقفتُ أتأمل معناها وأدركت أنني لم أكن أصف مجرد جلسة بين ابن ووالده بل كنت أصف نعمة عظيمة ولحظات من أثمن لحظات العمر. فالجلسة مع الوالدين لا تعادلها جلسات ولا تضاهيها ساعات ففيها البر والأنس والطمأنينة وفيها من الأجر والبركة ما لا يُقدّر بثمن.
كثيرًا ما نقضي ساعات طويلة مع الأصدقاء والزملاء ونحرص على حضور المجالس والمناسبات بينما قد نغفل عن أثمن المجالس وأعظمها بركة وهي مجالس الوالدين فكم من إنسان يتمنى اليوم دقائق معدودة يجلس فيها إلى جوار أبيه أو يسمع صوت أمه أو يقبّل رأس أحدهما بعد أن أصبحت تلك اللحظات ذكريات لا تعود!
إن مشاغل الدنيا لن تنتهي والمواعيد تتجدد كل يوم ولكن أعمار الوالدين لا تنتظر أحدًا. فقد نعوّض موعدًا فاتنا أو لقاءً تأخرنا عنه لكننا لن نستطيع تعويض جلسة مع أب أو أم إذا غابا عن هذه الحياة. وما أشد الحسرة حين ندرك قيمة اللحظات بعد فواتها!
وقد حذّر النبي ﷺ من التفريط في بر الوالدين فقال: «رَغِمَ أنفُه، ثم رَغِمَ أنفُه ثم رَغِمَ أنفُه»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة».
فيا لها من فرصة عظيمة وباب واسع من أبواب الجنة لمن أحسن برّ والديه وأكرمهما واغتنم وجودهما في حياته!
فهنيئًا لمن لا يزال والداه أو أحدهما على قيد الحياة فليجعل لهما من وقته واهتمامه نصيبًا وليغتنم قربهما وليُدخل السرور على قلبيهما قبل فوات الأوان. ومن فقد أحد والديه فليتمسك ببرّ الآخر ولا ينسَ من رحل بالدعاء والاستغفار. ومن فقدهما كليهما، فليواصل برّهما بالدعاء والصدقة عنهما وصلة أرحامهما.
وأخيرًا تبقى الجلسة مع الوالدين جلسة ذهبية لا تُقاس قيمتها بطول الوقت بل بعظيم الأجر وصدق البر وجمال الأثر. فاغتنموها ما دامت أبوابها مفتوحة ولا تؤجلوا جلسة اليوم إلى الغد فقد يأتي يوم تتمنون فيه عودة تلك اللحظات فلا تعود.



