كتاب الرأي

أبي… ولم أعرف قيمته إلا بعد سنوات من وفاته

 في إحدى صباحات العمل الهادئة، بدا كل شيء مختلفًا.
دخلت المكتب كعادتي، لكن الصوت الذي اعتدت أن يسبق حضوري لم يكن هناك. لم أسمع ضحكته، ولا تعليقاته التي كانت تملأ المكان حياة. كان زميلي، الذي عُرف بين الجميع بابتسامته الدائمة وروحه الطيبة، يجلس صامتًا أمام جهاز الحاسب، ينظر إلى شاشة لا يبدو أنه يراها.

ثماني سنوات من العمل المشترك جمعتنا في مكتب واحد. لم أعرفه يومًا إلا مبادرًا بالحضور، سابقًا الجميع رغم بعد منزله، محاطًا بمحبة زملائه، يخفف عنهم ضغوط العمل بكلمة طيبة أو تعليق عفوي. لكن في ذلك اليوم، كان مختلفًا تمامًا.

حييته، فرد السلام بابتسامة مجاملة لا تشبهه. جلسنا، وقدّم العامل القهوة، لكنه لم يمد يده إليها. اكتفيت بالمراقبة من بعيد، حتى رأيت دمعةً تسقط من عينه، حاول إخفاءها. عندها لم أستطع التماسك.

أغلقت باب المكتب، وجلست أمامه، وأمسكت يده قائلاً:
“ما بك يا سامي؟”

تردد قليلًا، ثم انهارت دموعه. وبعد صمتٍ ثقيل، بدأ يحكي.

قال: “كان لي صديق اسمه فهد… كنا معًا في المرحلة الثانوية، وبيته بجوار بيتنا. كان شابًا خلوقًا، لكنه كان متضايقًا من والده، من نصائحه وحرصه عليه. كان يرى في حديث والده تضييقًا، وكان يردد أن والده لا يفهمه.”

يضيف سامي: “كنت أحاول أن أهدئه، أقول له إن الأب لا يريد إلا الخير، لكن لم يكن يسمع. بل وصل به الأمر أن قال لي يومًا إنه يكره والده.”

ورغم أن الأب كان، بحسب وصف سامي، رجلًا طيبًا حنونًا، يخاف على ابنه من رفقة سيئة، فإن فهد اختار الابتعاد، وتجنب الجلوس معه، حتى جاء اليوم الذي غيّر كل شيء.

“توفي والده فجأة في حادث مروري”، يقول سامي، “وكنت خائفًا عليه من الصدمة. لكن المفاجأة أنه لم يبكِ، لم يُبدِ أي ردة فعل. كان صامتًا، جامدًا، وكأن شيئًا لم يحدث.”

مرت السنوات، تخرج فهد من المدرسة، ثم من الجامعة، وتزوج، وتوظف، ومضت الحياة، بينما بقيت مشاعره مؤجلة.

حتى جاءت تلك الليلة.

“في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، رن هاتفي”، يقول سامي. “استغربت، فلم أعتد أن يتصل فهد، كانت علاقتنا قد اقتصرت على رسائل متباعدة عبر الواتساب. لكن صوته هذه المرة كان مختلفًا… كان يبكي.”

طلب منه أن يأتي إلى المستشفى. توجه سامي فورًا، ليجده في أحد أروقة المستشفى، يبكي بكاءً شديدًا. انتظر حتى هدأ، ثم أخذه إلى السيارة وسأله عمّا حدث.

“قال لي: مات أبي.”

يقول سامي: “قلت له: أبوك متوفى منذ ثمان سنوات. فقال: نعم، أعرف… لكنني فقدته الآن.”

ثم بدأ فهد يسرد ما لم يقله منذ سنوات:

“عندما تخرجت من الثانوية، ذهبت إليه لأبشره بنجاحي، فلم أجده… وتذكرت أنه قد توفي، فشعرت بألم في قلبي.
وعندما قُبلت في الجامعة، أردت أن أخبره، فتذكرت أنه رحل، فكان الألم أكبر.
وعندما تخرجت من الجامعة بتفوق، ذهبت مسرعًا أحمل وثيقتي، لكنني تذكرت أنه ليس موجودًا، فكان الألم أشد.
وعندما أردت الزواج، تمنيت أن يكون معي، أن يرافقني، لكنني ذهبت وحدي وأنا أحمل ألمًا لا يمكن وصفه.
واليوم، عندما رزقني الله بمولود، أردت أن أذهب إليه لأخبره أنني سأسميه على اسمه… عبد الله، لكنني تذكرت أنه لن يرى ابني، ولن يفرح معي.”

يتابع سامي: “كان يقول وهو يبكي: كنت صغيرًا، لم أفهمه، لم أفهم نصائحه، واليوم فقط فهمت كل شيء… واليوم فقط شعرت أنني فقدت أبي.”

يصمت سامي لحظة، ثم يقول:
“أنا لا أبكي عليه فقط… أنا أبكي على ابنٍ تأخر في فهم أبيه.”


🟥 خاتمة:

ليست كل الخسارات تُدرك في لحظتها،
بعضها يتأخر… حتى يصبح الفقد أشد، والندم أعمق.

فكم من أبٍ نحتاجه اليوم،
ولا ندرك قيمته… إلا بعد رحيله.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى