كتاب الرأي

السعودية والإمارات بين الثابت والمضطرب ..

قراءة خاصة ” وقع الحدث” كتبها ناصر مضحي الحربي

في خضمّ التحولات الجيوسياسية العاصفة التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط، يطفو على السطح سؤال شائك لا يمكن القفز عليه: ما الذي أصاب العلاقة السعودية – الإماراتية حتى بدت، في لحظة ما، وكأنها تقف على مفترق طرق؟
ليس من باب الخصومة، ولا من منطلق الانفعال، بل من صميم الواجب الوطني والأخلاقي، يصبح لزاماً اليوم تفكيك المشهد بوعيٍ بارد، والتمييز الصارم بين ثلاثة مسارات متداخلة جرى خلطها عمداً:
أولها رابطة الأخوّة المتجذّرة بين الشعبين، وثانيها الدور التاريخي المحوري للمملكة العربية السعودية في قيام دولة الإمارات، وثالثها – وهو الأخطر – النهج السياسي الراهن في أبوظبي الذي اتخذ، في محطات مفصلية، مساراً متعارضاً مع الإجماع العربي ومصالح الأمة العليا.

الملك فيصل بن عبدالعزيز: المهندس الصامت لوحدة الإمارات

لا يمكن قراءة الحاضر دون العودة إلى الوثائق المؤسسة للتاريخ – فالمملكة العربية السعودية لم تكن مجرد دولة جوار عند ولادة الإمارات، بل كانت الداعم الحقيقي سياسياً ودبلوماسياً، والحاضنة الإقليمية للمشروع الاتحادي الوليد.
الدور الدبلوماسي الدولي: استخدم الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله – ثقله السياسي وعلاقاته المؤثرة في واشنطن للضغط على بريطانيا من أجل تسريع انسحابها من الخليج، وتهيئة المناخ الدولي لقيام دولة مستقلة قابلة للحياة.
الاحتواء الإقليمي: وفي لحظة كانت فيها أطماع القوى الإقليمية تحاصر الخليج، لعبت الرياض دور صمام الأمان، عبر جهود حثيثة لإقناع شاه إيران آنذاك بعدم عرقلة قيام الدولة الجديدة، وهو ما وثّقه أكاديميون غربيون في دراسات متخصصة حول نهاية النفوذ الاستعماري في المنطقة.

خلاصة تاريخية لا تقبل الجدل: المملكة العربية السعودية هي التي صنعت الإطار السياسي الآمن لاستقلال الإمارات، وهذه حقيقة مثبتة بمحاضر رسمية ورسائل دبلوماسية، لا بشعارات عاطفية ولا سرديات انتقائية.

من الامتنان إلى الارتياب: عقدة الدور وقلق الظل

ما نشهده اليوم من توتر غير معلن لا يمكن عزله عن تحولات نفسية وسياسية داخل دوائر القرار في أبوظبي، حيث برزت ثلاثة محركات رئيسية:

أدبيات العداء المكتوم: كشفت تسريبات دبلوماسية عن خطاب سلبي تجاه المملكة في لقاءات مغلقة مع مسؤولين غربيين، صُوِّرت فيه الرياض كعائق أمام الطموحات، لا كحليف استراتيجي، في انزلاق لغوي يعكس أزمة رؤية أكثر مما يعكس خلاف مصالح.
صدمة التحول السعودي: أطلقت رؤية المملكة 2030 بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تحولاً تاريخياً أعاد تموضع السعودية كمركز اقتصادي واستثماري وسياحي عالمي.
هذا التحول أحدث خلخلة حقيقية في حسابات من راهنوا على أدوار تفوق أحجامهم الجيوسياسية، فتحوّل التنافس الطبيعي إلى قلق، والقلق إلى محاولات تشويش.
الارتهان لتحالفات خارج السياق العربي: راهنت أبوظبي على أن التقارب مع المشروع الصهيوني سيمنحها نفوذاً يتجاوز ثقلها الطبيعي، متجاهلة أن الشرعية في هذه المنطقة لا تُستورد، وأن العمق الديني والتاريخي لا يُشترى بالصفقات.

خرائط الفوضى: من اليمن والسودان إلى غزة

لم تعد الخلافات في إطار التباين السياسي المشروع، بل تجاوزته – في محطات عديدة – إلى سياسات تفكيك مباشر:

اليمن والسودان: لعبت أبوظبي أدواراً داعمة لمسارات انقسامية، سواء عبر تشجيع النزعات الانفصالية في جنوب اليمن، أو من خلال دعم أطراف مسلحة في السودان، وفق ما أشارت إليه تقارير أممية متعاقبة.
حرب غزة: في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ العربي الحديث، ظهرت مؤشرات تعاون استخباراتي غير مباشر يخدم الآلة الإسرائيلية، تحت عناوين إنسانية وإغاثية، وهو ما شكّل صدمة أخلاقية قبل أن يكون خلافاً سياسياً.
النفوذ الاقتصادي المُسيَّس: استخدام المال السياسي للتغلغل في مفاصل اقتصادية وإعلامية بدول عربية مركزية، في مصر وشمال أفريقيا، بما يخدم أجندات خارجية على حساب تطلعات الشعوب.

البعد القانوني: حين تتحول السياسة إلى مساءلة

هذه السياسات لا تطرح إشكالاً أخلاقياً فحسب، بل تفتح أبواب مساءلة قانونية واضحة:

انتهاك ميثاق الجامعة العربية , خصوصاً المادة الثامنة المتعلقة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
المسؤولية الدولية حيث إن دعم الميليشيات المسلحة يُصنّف ضمن تغذية النزاعات ويخضع للمساءلة الجنائية الدولية.
اتفاقيات الحدود، وهي اتفاقيات نهائية وملزمة لا تخضع للمزاج السياسي ولا تُنقض بإرادة منفردة، وأي تشكيك فيها هو عبث قانوني لا قيمة له.

التمييز الواعي: خلاف مع السلطة لا مع الشعب

ورغم كل ما سبق، تظل المملكة العربية السعودية حريصة على الفصل بين نهج سياسي محدد وبين الشعب الإماراتي الشقيق:

إمارات العقل والحكمة، التي لا تزال حاضرة في مواقف قيادات اتحادية معروفة برصانتها، وفي أصوات ثقافية وسياسية ترفض الزج بالإمارات في مغامرات تتجاوز هويتها.
– المواطن الإماراتي، الذي سيبقى في الوجدان السعودي امتداداً لمدرسة الشيخ زايد: بساطته، حكمته، وعمقه العربي الأصيل.

وأخيرا

الرهان على الشعوب وحكمة الحكام ، رغم هذا السجل من التجاوزات، يظل الرهان السعودي قائماً على الشعب الإماراتي الأصيل، وعلى حكمة بقية حكام الإمارات (في الشارقة ورأس الخيمة وغيرهما) الذين لم تتلوث أيديهم بهذه السياسات. ستظل السعودية هي العمق والظهير، الذي لا تنكسر بوصلته وسيبقى الانحراف السياسي في “أبوظبي” مجرد نشاز في سيمفونية الأخوة الخليجية؛ فالتاريخ لا يرحم، والوثائق لا تشيخ ،والحقائق لا تحجبها الأموال.

 

الأحد 25 يناير  2026 – وقع الحدث

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى