كتاب الرأي

السلام… حين يصبح العالم بيتًا واحدًا

 

بقلم أ. غميص الظهيري

في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتعدد فيه الخلافات، وتثقل فيه قلوب البشر بأخبار٩ الحروب والنزاعات، يأتي اليوم العالمي للسلام في الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام، ليذكّرنا بأن السلام ليس مجرد كلمة تُكتب، أو شعارًا يُرفع، بل هو قيمة إنسانية عظيمة، وحاجة أساسية لا تستقيم الحياة من دونها.

فالسلام هو أن يستيقظ الإنسان في الصباح مطمئنًا، وأن يذهب الطفل إلى مدرسته دون خوف، وأن تعود الأسرة إلى منزلها دون أن تقلق من صوت القصف أو رائحة الدخان. السلام هو أن يكون الاختلاف بين البشر بابًا للتعارف والحوار، لا سببًا للكراهية والاقتتال.

وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم مناسبةً لتعزيز السلام، ونشر ثقافة اللاعنف ووقف الأعمال العدائية، ليصبح يومًا عالميًا تتجدد فيه الدعوة إلى بناء عالم أكثر أمنًا واستقرارًا.

لكن السلام الحقيقي لا يبدأ دائمًا في قاعات المؤتمرات الكبرى؛ بل يبدأ من الإنسان نفسه. يبدأ من كلمة طيبة بدل كلمة جارحة، ومن التسامح حين يكون الانتقام أسهل، ومن الاستماع إلى الآخر بدل الحكم عليه، ومن احترام الاختلاف بدل تحويله إلى خصومة.

إننا كثيرًا ما نبحث عن السلام في العالم، وننسى أن الطريق إليه يمر أولًا عبر قلوبنا وبيوتنا ومدارسنا ومجتمعاتنا. فكيف نطلب عالمًا يسوده السلام ونحن لا نمنحه لمن حولنا؟ وكيف نرجو انتهاء النزاعات الكبرى إذا عجزنا عن إنهاء خلاف صغير بالحوار؟

السلام لا يعني غياب الاختلاف؛ فالبشر مختلفون في أفكارهم وثقافاتهم ولغاتهم ومعتقداتهم، وسيظل الاختلاف جزءًا طبيعيًا من الحياة. لكن السلام يعني أن نتعلم كيف نختلف دون أن نؤذي، وكيف نحاور دون أن نهين، وكيف نبحث عن القواسم المشتركة بدل أن ننشغل بما يفرقنا.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من السلام أن قوته لا تكمن في الضعف أو الاستسلام، بل في القدرة على اختيار الحوار عندما يكون الصراع أسهل، والعفو عندما يكون الغضب أقرب، والبناء عندما تكون الهدم أسهل الطرق.

إن العالم اليوم بحاجة إلى السلام أكثر من أي وقت مضى؛ بحاجة إلى أصوات تدعو إلى المصالحة بدل الكراهية، وإلى جسور تصل بين الشعوب بدل الجدران التي تفصل بينها، وإلى قلوب تؤمن بأن حياة الإنسان وكرامته وأمنه قيم لا ينبغي أن تكون موضعًا للمساومة.

وفي اليوم العالمي للسلام، لا ينبغي أن تقتصر رسالتنا على الاحتفال بيوم واحد، ثم نعود في اليوم التالي إلى حياتنا وكأن شيئًا لم يكن. فالسلام مسؤولية يومية، تبدأ من أبسط تفاصيل حياتنا، ومن الطريقة التي نتحدث بها مع الآخرين، ومن قدرتنا على نشر الطمأنينة والأمل من حولنا.

فلنجعل السلام سلوكًا لا مناسبة، وثقافة لا شعارًا، وقيمة نربي عليها أبناءنا قبل أن نطالب بها العالم.

ولنتذكر دائمًا أن العالم الذي نحلم به لن يُبنى بالكراهية، وأن المستقبل الذي نريده لأطفالنا لن تصنعه الحروب، بل تصنعه المعرفة، والرحمة، والعدل، والحوار، والتعاون.

وفي النهاية، قد لا يستطيع إنسان واحد أن يوقف حربًا تدور في مكان بعيد، لكنه يستطيع أن يمنع شرارة الكراهية من أن تبدأ في محيطه.

فليكن لكل واحد منا أثر صغير في صناعة السلام؛ كلمة طيبة، يد تمتد للمصالحة، قلب يسامح، وعقل يختار الحوار.

لأن السلام ليس حلمًا بعيدًا عن الإنسان…
السلام يبدأ بنا.

شاركنا رأيك ✍️ هل تتفق مع ما ورد في الموضوع؟ ننتظر تعليقك ورأيك بكل صراحة.. فصوتك يهمنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى