الحاتم الحقيقي

بقلم / حمدان محمد ابن بكري القاضي المالكي
في زمنٍ كثر فيه الحواتم، وأصبح البعض يحرص على أن يُعرف بين الناس بأنه كريمٌ مضياف، وأن تُتداول مواقفه ومساعداته، بل وربما يسعى إلى الألقاب والشهرة أكثر من سعيه إلى فعل الخير؛ يظل هناك فرق كبير بين من يريد أن يُقال عنه كريم، ومن يكون الكرم جزءًا من طبعه وسجيته دون أن ينتظر من الناس كلمة شكر أو ثناء.
نعم، هناك من تنطبق على أعماله صفات الكرم التي عُرف بها حاتم الطائي، وهناك من لا يملك من الحاتمية إلا الاسم والصورة والحديث عن نفسه، وكأن الكرم لا يكتمل إلا إذا عرف الناس بما قدم، وكم أنفق، ومن استضاف، ولمن أعطى.
لكن الحواتم الحقيقيين قليلون، لأن الكرم الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان، والرجولة لا تحتاج إلى دعاية، وأعمال الخير العظيمة غالبًا ما يكون أجمل ما فيها أنها تُفعل في الخفاء.
ومن بين هؤلاء الرجال الذين أرى أنهم يستحقون أن نطلق عليهم لقب «الحاتم الحقيقي» رجلٌ رحل عن دنيانا قبل ما يقارب خمس سنوات، لكنه ما زال حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه.
إنه مساعد بن أحمد ابن سعيّد العصماني المالكي، رحمه الله، «أبو أحمد».
كان أبو أحمد رجلًا من طراز نادر؛ يؤثر على نفسه، ويكرم ضيفه، ويفزع لمن يحتاجه، ويقدم الخير دون أن يبحث عن منصة أو إشادة أو تصفيق.
كان كرمه سلوكًا لا استعراضًا، وطبعًا لا تصنعًا، وموقفًا لا حملة إعلامية.
لم يكن ممن يحرصون على أن يعرف الناس ماذا قدم، بل كان يترك للناس أن يتحدثوا عن مواقفه بعد أن تنتهي، وكأن لسان حاله يقول:
«ما عند الله خيرٌ وأبقى».
كل من عرف أبا أحمد يتحدث عنه بالخير، ويذكر فيه صفات الكرم والشهامة والنخوة، ويستحضر مواقفه التي كان يفعلها بصمت، بعيدًا عن الأضواء.
وهنا يكمن الفرق بين حاتمٍ حقيقي وآخر يبحث عن لقب الحاتمية.
فالكريم الحقيقي لا يحتاج أن يقول للناس: أنا كريم؛ لأن مواقفه تقول ذلك عنه.
ولا يحتاج أن يعدد ما قدم؛ لأن من عاشوا مواقفه يتولون هذه المهمة بعد رحيله.
رحل أبو أحمد، وبقيت سيرته الطيبة، وبقيت مواقفه شاهدة على رجل كان حاتمًا حقيقيًا في زمنٍ أصبح فيه البعض يبحث عن لقب حاتم أكثر من بحثه عن فعل الخير.
رحم الله أبا أحمد رحمةً واسعة، وجعل ما قدمه من خير وإكرام وفزعات ونخوة وشهامة في موازين حسناته، وجعل سيرته الطيبة صدقةً جارية في قلوب من عرفوه.
رحم الله الرجال الذين كانوا يفعلون الخير في الخفاء، فتكفّل الله بأن يجعل لهم ذكرًا في العلن.



