اقتصاد

إعادة تشكيل صناعة التأثير الرقمي ..

وقع الحدث واس :- 

م يعد التأثير الرقمي مجرد امتداد طبيعي لانتشار المنصات الرقمية، بل أصبح صناعة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والإعلامية والثقافية، وأحد أبرز محركات الاقتصاد الرقمي والإبداعي في العالم.

ومع التسارع غير المسبوق في التقنيات الحديثة، تحوّلت المنصات الرقمية من أدوات للتواصل وتبادل المعلومات إلى فضاءات تصنع الرأي العام، وتدعم الابتكار، وتعزز النمو الاقتصادي، وتؤثر في تشكيل الوعي والسلوك، حتى أصبحت البيانات والمحتوى من أهم مرتكزات التنافس في العصر الرقمي.
وفي هذا المشهد المتغيّر، لم يعد المحتوى مجرد وسيلة للتعبير أو النشر، بل تحوّل إلى أصلٍ معرفي واقتصادي قادر على صناعة القيمة، وبناء السمعة، وتعزيز القوة الناعمة، وفتح آفاق جديدة للاستثمار وريادة الأعمال، كما لم يعد التأثير يقاس بحجم الوصول أو عدد المتابعين فحسب، وإنما بقدرته على بناء الثقة، وإثراء المعرفة، وإحداث أثر مستدام في المجتمع والاقتصاد.

وفي المملكة العربية السعودية، جاء هذا التحوّل منسجمًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي جعلت الاقتصاد الرقمي والابتكار من الركائز الرئيسة للتنمية الوطنية، عبر تطوير التشريعات، وتعزيز البنية الرقمية، وتمكين الكفاءات الوطنية، ودعم الصناعات الإبداعية، بما أسهم في بناء منظومة إعلامية أكثر نضجًا وتنافسية.
واليوم لم يعد النجاح في البيئة الرقمية يُقاس بالانتشار وحده، بل بجودة المحتوى، وموثوقيته، وقيمته المعرفية والاقتصادية، في منظومة تتكامل فيها التقنية مع التنظيم والاستثمار لصناعة مستقبل إعلامي أكثر استدامة.
وانطلاقًا من هذا التحوّل، لم تعد صناعة التأثير الرقمي تقف عند حدود إنتاج المحتوى، بل أصبحت جزءًا من منظومة وطنية متكاملة تجمع التشريع، والتمكين، والابتكار، والاستثمار، في نموذج يعيد تعريف مفهوم النجاح في البيئة الرقمية، ويؤكد أن القيمة الحقيقية للمحتوى لا تُقاس بما يحققه من انتشار لحظي، بل بما يتركه من أثر طويل المدى في الإنسان والمجتمع.
التحول بالأرقام
ولا يقتصر هذا التحوّل على الجوانب المفاهيمية والتنظيمية، بل تؤكده مؤشرات اقتصادية واستثمارية تعكس النمو المتسارع الذي يشهده قطاع الإعلام وصناعة المحتوى في المملكة، وتبرز المكانة المتنامية للإعلام بوصفه أحد القطاعات الواعدة في الاقتصاد الوطني، حيث ارتفعت مساهمة قطاع الإعلام في الناتج المحلي الإجمالي إلى 16 مليار ريال خلال عام 2024، مقارنة بـ 14.5 مليار ريال في عام 2023، مع مستهدف رفع مساهمته إلى 0.8% من الناتج المحلي بحلول عام 2030، وارتفع عدد العاملين في القطاع إلى أكثر من 60 ألف وظيفة بنهاية عام 2024، بزيادة بلغت 22% عن العام السابق، مع استهداف الوصول إلى 160 ألف وظيفة بحلول عام 2030.
وتشير التقديرات إلى أن سوق الإعلام السعودي يسير نحو تحقيق معدل نمو سنوي يبلغ 8.2% خلال الفترة من 2024 إلى 2029، متجاوزًا متوسط النمو العالمي البالغ 3.7%، مع توقعات بوصول حجم السوق إلى نحو 41 مليار ريال بحلول عام 2030، في مؤشر يعكس المكانة المتنامية للمملكة بوصفها إحدى أسرع الأسواق الإعلامية نموًا في المنطقة.
ويُتوقع أن تستحوذ الإعلانات الرقمية على نحو 90% من إجمالي الإنفاق الإعلاني بحلول عام 2029، بالتزامن مع التحول المتسارع نحو المنصات الرقمية، فيما يستمع 60% من البالغين في المملكة إلى البودكاست أسبوعيًا، بما يعكس تغير أنماط استهلاك المحتوى واتساع اقتصاد صناع المحتوى والتأثير الرقمي.
وفي الوقت نفسه، تستحوذ المملكة على نحو 30% من سوق الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تأكيد واضح أن صناعة التأثير الرقمي أصبحت إحدى الركائز الرئيسة للاقتصاد الإبداعي الوطني، وأحد القطاعات التي تُبنى عليها فرص الاستثمار والنمو خلال السنوات المقبلة.
هندسة التأثير
ومع اتساع حضور المنصات الرقمية في مختلف جوانب الحياة، لم يعد التأثير الرقمي يُقاس بقدرته على تحقيق الانتشار أو صناعة المحتوى الرائج، بل بما يتركه من أثر في تشكيل الوعي، وتعزيز المعرفة، وبناء الثقة، ودعم التنمية.
ومن هنا انتقلت صناعة المحتوى من مرحلة يغلب عليها الطابع الفردي إلى منظومة احترافية تقوم على المسؤولية، والامتثال، والشفافية، وجودة المحتوى، لتصبح أحد المرتكزات الرئيسة للاقتصاد الإبداعي.
وأوجد هذا التحوّل نموذجًا جديدًا يمكن وصفه بـ «هندسة التأثير»، وهو نموذج يقوم على تحقيق التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية المهنية، ويجعل قيمة المحتوى تُقاس بموثوقيته وجودته وأثره المستدام، لا بمجرد حجم الوصول أو عدد المشاهدات، بما يعزز الثقة بوصفها رأس المال الحقيقي في البيئة الرقمية.
وفي هذا السياق، تؤكد المديرة العامة للإدارة العامة للشؤون التنظيمية بالهيئة العامة لتنظيم الإعلام، غدير آل معدي، -في تصريحها لوكالة الأنباء السعودية- أن هذا التحوّل لم يكن مجرد تغير في أدوات النشر، بل أعاد رسم خريطة القطاع الإعلامي بأكمله، إذ انتقل ثقل الصناعة تدريجيًا من المؤسسات الإعلامية التقليدية إلى اقتصاد رقمي تقوده صناعة المحتوى، مدفوعًا بتغير سلوك الجمهور، وتفضيله المحتوى السريع والتفاعلي، إلى جانب الطفرة التقنية التي وفرت أدوات إنتاج ونشر عالية الكفاءة، ومكنت صناع المحتوى من بناء نماذج أعمال مستقلة وقادرة على المنافسة.
وأوضحت آل معدي أن هذه التحولات فرضت على الجهات التنظيمية تطوير فلسفتها، بحيث لا تقتصر على الأطر التقليدية، وإنما تتجه نحو بناء بيئة تنظيمية مرنة واستشرافية تستوعب الابتكار، وتحافظ في الوقت ذاته على جودة المحتوى، واحترام القيم الوطنية والمجتمعية، وحماية الجمهور من الممارسات الضارة.
وأشارت إلى أن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام تنظر إلى هذا التحوّل فرصة لبناء قطاع أكثر نضجًا واستدامة، من خلال تبنّي مفهوم “التنظيم المُمكّن”، الذي يدعم نمو القطاع، ويحفّز الاستثمار، ويُمكّن المبدعين، بالتوازي مع تطوير التشريعات التي تعزز الاحترافية وترسخ ثقة الجمهور بالمحتوى الرقمي.
وأبانت آل معدي أن الفكر التنظيمي الحديث يتجه نحو التشريع التشاركي، عبر إشراك صناع المحتوى ورواد الأعمال والمستثمرين والخبراء في تطوير الأنظمة واللوائح، بما يجعلها أكثر قدرة على مواكبة التحولات المتسارعة، إلى جانب تبنّي مفهوم البيئة التنظيمية التجريبية، التي تتيح اختبار النماذج الاقتصادية والتقنيات الناشئة والخدمات الرقمية ضمن إطار منظم، يسهم في دعم الابتكار، وتقليل المخاطر، قبل اعتماد الأطر التشريعية النهائية.
وأكدّت أن هذا النهج يعكس تحوّلًا في فلسفة العمل التنظيمي، إذ لم يعد الهدف يقتصر على الاستجابة للمتغيرات أو فرض الضوابط، بل أصبح بناء بيئة تنظيمية استشرافية تدفع القطاع نحو مزيد من النمو والتنافسية، وتوفر للمستثمرين والمبدعين إطارًا واضحًا ومستقرًا يمكنهم من الابتكار بثقة، ويعزز حضور المحتوى الوطني على المستويين الإقليمي والدولي.
ويعكس هذا التحوّل رؤية أوسع لصناعة التأثير، لم تعد فيها التشريعات وسيلة للضبط فحسب، بل أحد أهم الممكنات التي تدعم نمو القطاع، وترفع جودة المحتوى، وترسخ ثقافة المسؤولية، وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والابتكار، بما يجعل التأثير الرقمي أكثر استدامة، ويؤكد أن القيمة الحقيقية للمحتوى تُقاس بأثره في الإنسان والمجتمع، لا بحجم انتشاره وحده.
المؤثرون.. مسؤولية تتجاوز الانتشار
ومع اتساع تأثير صناع المحتوى، عملت المملكة على بناء إطار تنظيمي يعزز احترافية الممارسة، من خلال التراخيص، والإفصاح، والامتثال للأنظمة، بما يرسخ الشفافية، ويحمي الجمهور، ويرفع موثوقية المحتوى.
وفي المقابل، أصبحت مسؤولية المؤثّر تتجاوز صناعة المحتوى إلى الالتزام بالقيم المهنية، واحترام حقوق الملكية الفكرية، والإفصاح عن المحتوى الإعلاني، وتجنّب المعلومات المضللة، في تأكيد أن التأثير الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين، بل بحجم المسؤولية والثقة التي يصنعها.
الثقة.. ثمرة التكامل
إذا كانت التشريعات تُمثّل الإطار المنظم لصناعة التأثير، فإن الثقة تُمثّل غايتها الأهم وثمرتها الأبرز. ففي البيئة الرقمية، لم تعد المنافسة تُقاس بسرعة النشر أو حجم الانتشار، بل بقدرة المحتوى على بناء الثقة وترسيخ المصداقية، إذ أصبحت الثقة الركيزة الأساسية لاستدامة الإعلام الرقمي وتعزيز أثره في المجتمع والاقتصاد.
وانطلاقًا من هذا المفهوم، عملت المملكة على بناء منظومة متكاملة تشاركت فيها الجهات التنظيمية، والمؤسسات الإعلامية، والقطاع التقني، والجامعات، والقطاع الخاص، والمراكز البحثية، لتطوير بيئة رقمية ترتكز على جودة المحتوى، والشفافية، والاحترافية، وتمكين الكفاءات الوطنية، ودعم الابتكار والاستثمار في الصناعات الإبداعية.
وأسهم هذا التكامل في ترسيخ معايير مهنية أكثر نضجًا، وتعزيز المحتوى القائم على المعرفة، وتهيئة بيئة رقمية أكثر موثوقية واستدامة، بما يعكس نموذجًا وطنيًا يؤكد أن بناء الثقة مسؤولية مشتركة، وأن نجاح الإعلام الرقمي لا يتحقق بالانتشار وحده، بل بقيمته المعرفية، ومصداقيته، وقدرته على إحداث أثر إيجابي مستدام.
اقتصاد الأفكار
ومع نضج البيئة الرقمية، لم تعد الثروة في الاقتصاد الحديث تقتصر على الموارد التقليدية، بل أصبحت المعرفة، والإبداع، والمحتوى من أهم محركات النمو الاقتصادي، في ظل اقتصاد رقمي تتسارع فيه وتيرة الابتكار، وتتصاعد فيه قيمة الأفكار بوصفها موردًا إستراتيجيًا قادرًا على صناعة الفرص واستقطاب الاستثمارات.
وفي هذا السياق، برزت صناعة المحتوى بوصفها أحد أهم روافد الاقتصاد الإبداعي، لما تُمثّله من فرص لريادة الأعمال، وجذب الاستثمارات، ودعم الابتكار، وتعزيز تنافسية الاقتصادات الوطنية. وفي المملكة العربية السعودية، أسهمت البيئة الداعمة للاقتصاد الرقمي في تنمية الصناعات الإبداعية، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتعزيز المحتوى المحلي بوصفه رافدًا للتنويع الاقتصادي والاقتصاد المعرفي، وتتجاوز قيمة المحتوى أبعاده الاقتصادية إلى دوره في ترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز الحضور الثقافي، وبناء صورة إيجابية للمملكة على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، أكد نائب الرئيس والأمين العام لمركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري الدكتور عبدالله محمد الفوزان -في تصريحٍ لوكالة الأنباء السعودية- أن العالم الرقمي جعل البشرية تعيش في قرية كونية تتجاوز فيها المعلومات والأفكار الحدود خلال ثوانٍ معدودة، الأمر الذي منح وسائل التواصل الاجتماعي قدرة غير مسبوقة على التأثير في المجتمعات، سواء بصورة إيجابية أو سلبية.
وأشار إلى أن هذه المنصات أسهمت في فتح آفاق واسعة للحوار بين الثقافات، وتبادل الخبرات، وتعزيز قيم التفاهم والتسامح والتعايش، لكنها في المقابل أتاحت أيضًا مساحة لانتشار خطاب الكراهية، والتطرف، والعنصرية، والاحتيال الإلكتروني، والمحتوى المضلل، الأمر الذي يجعل مسؤولية الارتقاء بالمحتوى مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق صناع المحتوى وحدهم.
وقال الفوزان: “إن الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والجهات الحكومية، مطالبة اليوم بأدوار متكاملة في تنمية الوعي الرقمي، وتأهيل الأجيال الجديدة للتعامل الواعي مع المحتوى، وتمكينهم من التمييز بين المعرفة الموثوقة والمحتوى المضلل، بما يحميهم من الاستغلال الفكري أو السلوكي، ويعزز قدرتهم على الاستخدام الإيجابي للتقنيات الحديثة”.
وشدّد على أهمية استمرار تطوير الأطر التشريعية التي تحمي المجتمع من الحسابات التي تروج للعنف، والكراهية، والجريمة، والمخدرات، والابتزاز الإلكتروني، مع المحافظة في الوقت نفسه على الدور الحضاري الذي تؤديه المنصات الرقمية في التقريب بين الشعوب، ونقل المعرفة، وصناعة الحوار الإنساني.
ويرى الدكتور الفوزان أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التقنية ذاتها، وإنما في طبيعة المحتوى الذي يُنتج عبرها؛ فكلما كان المحتوى أكثر مسؤولية واحترامًا للقيم الإنسانية المشتركة، ازدادت قدرته على بناء مجتمعات أكثر وعيًا وتسامحًا، وتعزيز حضور المملكة الثقافي والإنساني على الساحة الدولية، بوصفها نموذجًا يدعو إلى الاعتدال والحوار والانفتاح الحضاري.
ومن هنا فإن الاستثمار في المحتوى المسؤول لا يُمثّل استثمارًا في قطاع اقتصادي فحسب، بل هو استثمار في الإنسان، وفي بناء مجتمع معرفي قادر على توظيف التقنية لخدمة التنمية، وترسيخ ثقافة الحوار، وإبراز الهوية الوطنية، وتعزيز القوة الناعمة للمملكة في عالم باتت فيه الأفكار أسرع انتقالًا وتأثيرًا من أي وقت مضى.
الذكاء المُمكّن:
لم تعد التقنية وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات مساندة لصناعة المحتوى، بل أصبحت محركًا إستراتيجيًا يعيد تشكيل منظومة الإعلام الرقمي بأكملها، من إنتاج الرسائل الإعلامية، وتحليل البيانات، وفهم سلوك الجمهور، إلى استشراف الاتجاهات المستقبلية ورفع كفاءة الأداء، وباتت القدرة على توظيف التقنيات الذكية عنصرًا رئيسًا في تعزيز جودة المحتوى، وتسريع إنتاجه، وتحقيق أثر أكبر، دون الإخلال بالقيم المهنية أو المعايير الأخلاقية.
وجاء هذا التحوّل امتدادًا لرؤية وطنية جعلت البيانات والذكاء الاصطناعي من أهم ممكنات التنمية والاقتصاد الرقمي، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قطاع الإعلام وصناعة المحتوى، من خلال توسيع نطاق توظيف الحلول الذكية، وتعزيز الابتكار، ورفع كفاءة العمل الإعلامي، بما يواكب التحوّلات العالمية المتسارعة.
وفي هذا السياق، أكدت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) لـ”واس”، أن صناعة المحتوى العالمية تشهد تحولًا نوعيًا تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات، حيث لم يعد التطوير مقتصرًا على أدوات التحرير والإنتاج التقليدية، بل امتد ليشمل تحليل البيانات، وفهم سلوك الجمهور، واستشراف الاتجاهات الإعلامية، بما يسهم في رفع كفاءة العمل الإعلامي، وتعزيز جودة المحتوى، وتطوير تجربة المستخدم.
وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم أحد أبرز الممكنات التي تمنح صناع المحتوى القدرة على إنتاج محتوى أكثر احترافية وتأثيرًا، من خلال تطوير أدوات الإنتاج والتحرير، وتحليل الاهتمامات، وتخصيص الرسائل الإعلامية، بما يضمن وصولها إلى الفئات المستهدفة بصورة أكثر كفاءة، مع المحافظة على المعايير المهنية والأخلاقية.
وتعمل “سدايا” على دعم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام عبر ثلاثة مسارات رئيسة، يأتي في مقدمتها تعزيز الحوكمة والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، من خلال تطوير السياسات والأطر الوطنية التي تكفل الاستخدام الأخلاقي للتقنيات الحديثة، وتحد من المخاطر المرتبطة بالمحتوى الرقمي، مثل: التزييف العميق، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، وتعزز الثقة في البيئة الرقمية.
وفي هذا الإطار يُمثّل إطلاق وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام بالشراكة بين وزارة الإعلام و “سدايا” خطوة مهمة نحو ترسيخ الممارسات المهنية في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، بما يضمن توظيفها بصورة مسؤولة وآمنة، ويعزز جودة المحتوى ومصداقيته.
ولا يقتصر دور “سدايا” على الجانب التنظيمي، بل يمتد إلى بناء القدرات الوطنية عبر برامج ومبادرات تدريبية تستهدف الإعلاميين وصناع المحتوى، لتمكينهم من توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تطوير المحتوى الوطني، ورفع كفاءته، وزيادة قدرته على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وتواصل الهيئة تطوير الممكنات الرقمية والبنية التحتية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، بما يُمكّن المؤسسات الإعلامية وصُنّاع المحتوى من الاستفادة من الحلول الذكية في دعم عمليات التحرير، وتحليل البيانات، وتحسين تجربة الجمهور، وتطوير المحتوى بما يتوافق مع احتياجاته وتوقعاته، مع إيلاء اهتمام خاص بتعزيز حضور اللغة العربية في التقنيات الرقمية الحديثة، بما يواكب مكانة المملكة وريادتها في هذا المجال.
ولا تُمثّل هذه الجهود مجرد تحديث للأدوات، بل تعكس تحوّلًا في فلسفة صناعة الإعلام، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز الإبداع البشري وتوسيع إمكاناته، وليس بديلًا عنه، ليغدو نجاح المحتوى مرهونًا بقدرته على توظيف التقنية في صناعة المعرفة، وخدمة الإنسان، وتحقيق قيمة مستدامة.
إرث المستقبل:
تكشف التحوّلات التي شهدتها صناعة التأثير الرقمي في المملكة، أن بناء المستقبل لا يتحقق بالتقنية وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تجمع التنظيم، والتمكين، والاستثمار، والابتكار، وتنمية القدرات، وصناعة الثقة.
وخلال سنوات قليلة، نجحت المملكة في الانتقال من مرحلة مواكبة التحوّل الرقمي إلى مرحلة الإسهام في تشكيل ملامحه، عبر نموذج وطني يوازن بين حرية الإبداع، والمسؤولية المهنية، والريادة التقنية.
ولم تعد صناعة التأثير الرقمي مجرد نشاط إعلامي أو مساحة للتفاعل، بل ركيزة من ركائز الاقتصاد الإبداعي، وأداة لتعزيز التنمية، وبناء القوة الناعمة، وترسيخ الصورة الإيجابية للمملكة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء اقتصاد معرفي أكثر تنوعًا واستدامة.
ولم يعد النجاح في البيئة الرقمية يُقاس بعدد المتابعين أو حجم المشاهدات، بل بقدرة المحتوى على بناء الثقة، وصناعة المعرفة، وترسيخ القيم، وإحداث أثر إيجابي يمتد إلى المجتمع والاقتصاد والثقافة.
ومن هنا أصبح الانتقال من اقتصاد المتابعين إلى اقتصاد الثقة عنوانًا لمرحلة جديدة، تُقاس فيها قيمة المحتوى بما يتركه من أثر، لا بما يحققه من انتشار.
وهكذا تؤكد التجربة السعودية أن مستقبل صناعة التأثير لا تصنعه الخوارزميات وحدها، بل تصنعه الرؤية، والتنظيم، والاستثمار في الإنسان، والقدرة على توظيف التقنية لخدمة التنمية. وبينما تتسارع التحولات الرقمية عالميًا، تمضي المملكة في ترسيخ نموذج وطني يجعل الثقة أساس التأثير، والمعرفة جوهر المحتوى، والابتكار محركًا للمستقبل، لتؤكد أن صناعة التأثير الرقمي لم تعد مجرد صناعة للمحتوى، بل صناعة للقيمة، وبناء للوعي، واستثمارًا في الإنسان، وأثرًا يتجاوز اللحظة إلى المستقبل.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى