كتاب الرأي

حروف مبعثرة ..!!

عقب القرار التاريخي الذي أعلنت عنه صحيفة مؤسسة اليمامة الصحفية  .. إيقــــاف النسخــة الورقية لجـــريدة ( الرياض ) و ( مجلة اليمامة ) أسوة بالصحف التي سبقتها في هذا النهج ..

بالمصادفة قادتني الظروف أن دخلت الى حرم بلاط صاحبة الجلالة فوجدت خصمان في حضرتها كلٌ منهما قدّم حجته مطالبا بحقه ..

كنت وقتها حاضرا كأحد المراجعين ممن يبحثون في ردهات مملكتها عن بعض الأشياء التي فقدتها ..

المكان يموج بأصحاب المهن متفاوتة المستويات تبعاً للدرجات العلمية بين أستاذ كرسي .  ومحاضر .. ومعيد. . وجمعُ من طلاّّب العلم عُشاق العطاء .. حرفا وسطرا في عالمها الفاتن لمن الى فنائها ولَجّ ومن في حظرتها رستّ به الأقدار  ..

المكان مهيب الى درجة انك مهما كُنت واثقا من قدراتك وخبراتك تقف تحت قبتها مشدوها مبهورا متعجبا متحسرا متمنيا مؤملا ان يبقى هذا الرمز ما بقيت الحياة خاصة وأن جلالتها عندما بنت كيانها كانت السواعد غير السواعد والعقول غير العقول الإمكانات والتوجهات والأسس والمواثيق كانت رواسخ ثابته ارتكزت عليها مملكة صاحبة الجلالة .

تحت القبة المهببة كان صوت الخصمين عاليا ..

كل طرف يدعي ان الحق له وان خصمه جار عليه وسلبه بعض حقوقه واخفى بعض ميزاته وانكر حصته في الورث الخالد التليد..

فالأول يدعي انه من جيل القوة في الطرح .. عَشِقَ حلاوة الكلام فأختار ملوك الكلام ..سعى جاهدا ما استطاع الى ذلك سبيلا في التنقل بين أركان وزوايا تلك المملكة اخذ من هذا وسمع لذاك وتتلمذ على يد أولئك حتى خرج بشخصية منتجة عطاء يتدفق وصدى يملاء المكان وصوت له رتم اختص به ..

وزاد في دعواه ان قوته كانت في محبرته وريشة قلمه وسعيه الحثيث هنا وهناك ينتقي اجمل ما يمكن ان يُزّين به صدر صفحات بيضاء تحولت بفعل كل ذلك الى اسطرٍ منثورة لمواهب مختلفة ومقامات متفاوتة ، طُرحت أمام المتلقي بعد أن مرت بمراحل .. التصحيح اللغوي والقياس للقوانين والأنظمة ثم الإخراج المتقن بعناية فائقة يتلاقاها المطلع وفقا لرغبته وميوله  ..

اما الثاني فكان خصما وفياً لم ينكر دعوى خصمه قولاً ومعنى بكل تفاصيلها .. لكنه عاب عليه انه بلغ من العمر عتيا بفعل تقادم السنون وقد احدودب ظهره وغادر اكثر رواد جيله من دنيا الفناء الى دنيا البقاء اما الباقون منهم فكل فيما اهمه وأشغله .. كما قيل يغني على ليلاه ..

مؤكدا في مرافعته أنه لم يخرج عن أنظمة وقواعد صاحبة الجلالة لكنه ابتكر طريقة فرضتها المدنية المتحضرة وساهمت في انتشارها كالنار في الهشيم ثورة المعلومات الرقمية فكان الحضور طاغيا زاد سكان مملكة صاحبة الجلالة وزادت مخرجات العطاء لكل الاذواق واصبح الإنتاج اليومي بضاعة مزجاة يتناولها المطلع بسهولة ويسر بلمسة زر لا اكثر …

وطالب أمام لجنة القضاة رد دعوى المدعي لأسباب عدة أهمها مطالبته الكفّ عن إشغال رواد مملكة الحرف والسطر في ثوبها الجديد الزاهي ( على حد قوله ) عن صرف اوقاتهم تقليبا لعهد مضى أفل معه من افل .. وبقي من بقي ..

كذلك قام مترجلا من مكانة مقبلا رأس خصمه أمام لجنة القضاة طالبا منه وباعثا برسالة لكل جمهور جيله التعايش مع الزمن الحالي ومعطياته وتطوراته التي تسير جنبا الى جنب مع ثورة المعلومات وعصر التكنولوجيا الذي لا يقبل البقاء على وجه واحد تلبيةً لكل جديد ..

وقتها رفع القضاة جلسة المحاكمة للتداول فيما بينهم .. وقد أسر لي بعض المقربين في ساحة المحكمة أن الحكم سياخذ وقتا طويلا للمداولة لم تفصح عنه هيئة المحكمة رغبةً في تقييم كل شيئ يأتي على رأسها قيمة مخرجات هذه الثورة المعلوماتية وحرصها على تميز الكلمة وقوتها ودلالة رمزيتها وقيمتها لفظاً ومعنى .  ناهيك عن تأثيرها على المتلقي والنتائج التي تبين مع الوقت ..

انا معكم من المنتظرين في حكمٍ عادل مرضي لكلا الخصمين ونحن معهم .. دمتم جميعا في كنف الباري ..

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى