كتاب الرأي

“الفرح” وصلاحية الانتهاء

 

بقلم د. خلف أحمد الزهراني.

حين نتأمل مفردات حياتنا المعاصرة، نجد أننا نحاصر أنفسنا بجدولة صارمة لكل شيء؛ فالأغذية تحمل تواريخ صلاحية دقيقة، والأدوية تنتهي فاعليتها بمرور الزمن، وحتى العقود والمستندات تخضع لأطر زمنية. لكن المثير للتأمل هو ذلك السؤال الذي يبدو خارج المألوف:
هل للفرح أو البهجة صلاحية للانتهاء؟
وكأننا -دون أن نشعر- بدأنا نتعامل مع مشاعرنا الإيجابية بمنطق السلع الاستهلاكية، فنخشى أن “يفسد” الفرح إن طال أمده، أو نتوجس من أن نفاد رصيدنا منه أمر حتمي بانتهاء لحظته.
يقول الأديب البريطاني سومرست موم:
“من أكبر أخطائي في الحياة؛ أني كنت أمر على لحظات السعادة مروراً عابراً، وأعيش الحزن بكل مشاعري”.
​في الواقع الإنساني، لا يخضع الفرح لمعايير التقادم المادي. إنه ليس شعوراً طارئاً يُستهلك في جلسة عابرة ليُلقى في سلة المهملات ، بل هو طاقة روحية ونفسية متجددة. غير أن الإشكالية لا تكمن في الفرح ذاته، بل في “ثقافة الاستهلاك العاطفي” التي غرست فينا وهماً بأن السعادة حصة محدودة، وبأن الفرح المفرط قد يعقبه بالضرورة حزن غامر، وصرنا نسمع بعدها الدعوة الشهيرة:
كفانا الله شر هذا الضحك.
ولما كانت حياتنا تقوم على ميزان التوسط والاعتدال،
كان من الضروري التعامل مع الفرح والضحك وفق هذا الميزان،فلا إفراط ولاتفريط.
​إن الفرح الحقيقي والصادق لا ينتهي؛ لأنه ينبع من طمأنينة داخلية،زرعها الإيمان بالله تعالى فأثمرت التصالح العميق مع النفس والحياة.
قد تنتهي المناسبة التي أثارت الفرح، وقد تتغير الظروف المحيطة، لكن الأثر النفسي والفسيولوجي يظل ممتداً في الذاكرة والوجدان.
بل قد ترتسم الضحكة على وجوهنا،ويزداد نبض قلوبنا لذكرى تمر بخيالنا،أو رسالة عابرة
وإن كانت محدودة الأحرف والكلمات.
وحين نتساءل عن “صلاحية” الفرح، فإننا في الحقيقة نختبر قدرتنا على التجدد.والتفاؤل.
إن الإنسان الذي يملك القدرة على صناعة البهجة وسط التحديات، هو المثل الحي لمعنى الحياة.
​فهو حين يفرح، فإنه لا يمارس ترفاً عابراً، بل يحمي صمام أمانه العقلي والنفسي، ويعيد ضبط بوصلة الحياة نحو التوازن.
​لذا، لا تبحث عن تاريخ انتهاء لفرحك، ولا تقيد بهجتك بقيود التوجس.
دع الفرح يتجدد كلما أمكن، فليست البهجة سلعة تفسد بالاستهلاك، بل هي طاقة حياة تتجدد.
يقول الشافعي رحمه الله:
دع المقاديرَ تجري في أعَنّتها
ولا تبيتنّ إلا خاليَ البالِ
ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها يغيّر الله من حالٍ إلى حالِ

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى