كتاب الرأي

حياة الغربة ..!!!

 

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما أطفأ أحمد شاشة حاسوبه المحمول للمرة العاشرة في تلك الليلة. في غرفته الصغيرة المغتربة التي لا تتسع إلا لسرير ومكتب صغير، كان صوت قطرات المطر على النافذة يذكره بغربته وبالمسافة الشاسعة التي تفصله عن دياره وأهله.

خرج أحمد من وطنه قبل سنوات يحمل حقيبة مليئة بالملابس، وحقائب أخرى غير مرئية مليئة بأحلام عائلته ودعوات والدته التي لا تزال ترن في أذنيه: “الله يفتحها عليك يا ابني ويرزقك من واسع فضله”. تخرج من الجامعة بتقدير امتياز، وظن أن الشهادة ستفتح له أبواب الشركات العالمية فوراً، لكن الواقع في الغربة كان له رأي آخر.

كل يوم في حياة أحمد كان معركة صامتة. يستيقظ في الصباح الباكر ليعمل في وظيفة مؤقتة وبسيطة تغطي بالكاد إيجار غرفته وثمن طعامه، ثم يقضي المساء بطوله في تعديل سيرته الذاتية وإرسال عشرات الطلبات عبر منصات التوظيف. الصعوبة لم تكن فقط في البحث عن عمل، بل في لغة غريبة، وثقافة مختلفة، وشعور خانق بالوحدة يجتاح غرفته كلما حل المساء.

في أحد الأيام، تلقى أحمد بريداً إلكترونياً يبدأ بالعبارة المعتادة: “نشكرك على اهتمامك، ولكننا قررنا المضي قدماً مع مرشح آخر”. شعر حينها بضيق شديد، وضغطت عليه مصاعب الحياة وثقل المسؤولية. تذكر ديون الدراسة، وتذكر آمال والده الذي يظن أن ابنه يعيش في رغد العيش في الخارج. جلس على حافة سريره، وأمسك بهاتفه ليتصل بوالدته.

ما إن سمع صوتها الدافئ وهي تقول: “أهلاً يا غالي، كيف حالك؟” حتى ابتلع غصته بمرارة، ورسم ابتسامة زائفة على وجهه قائلاً: “أنا بخير يا أمي، كل شيء يسير على ما يرام، والشركات تتواصل معي”. لم يكن يريد أن يضيف هماً إلى همومهم، فالمغترب يتعلم كيف يخفي ألمه خلف نبرة صوته.

بعد تلك المكالمة، شعر أحمد بوقود جديد يشتعل في داخله. دعوات أمه لم تكن مجرد كلمات، بل كانت طاقة تدفعه للمقاومة. قرر ألا يستسلم للرفض. بدأ يغير استراتيجيته؛ فالتحق بدورات مجانية عبر الإنترنت لتطوير مهاراته الرقمية، وتطوع في بعض الفعاليات المحلية ليتعرف على أصحاب العمل، وحسّن من طريقة إلقائه ومقابلاته الشخصية.

مرت أشهر عجاف، بين عمل شاق نهاراً ودراسة وبحث ليلاً، حتى جاء ذلك الصباح الذي غير كل شيء. رن هاتفه برقم غير معروف، وكان المتحدث مديراً لشركة برمجيات كبرى كان أحمد قد تقدم إليها قبل أسابيع. قال له المدير: “أحمد، لقد أبهرنا إصرارك ومحفظة أعمالك في المقابلة الأخيرة، ونود أن نعرض عليك وظيفة مهندس برمجيات معنا”.

لم يصدق أحمد ما سمعه. انهمرت دموعه عفوياً، دموع تلخص سنوات التعب، السهر، الخوف من المستقبل، والشوق للأهل. شعر فجأة بأن الجدران الضيقة لغرفته قد اتسعت لتشمل الأفق كله.

في تلك الليلة، اتصل أحمد بوالديه مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن بحاجة لتزييف الابتسامة. قال لهما بصوت يملؤه الفخر والفرح: “لقد وجدتها يا أمي، لقد بدأت خطوتي الأولى نحو المستقبل الذي تغربت من أجله”. تنفس الصعداء وهو ينظر من نافذته، مدركاً أن مصاعب الغربة لم تكن إلا صقلاً لشخصيته، وأن القادم، رغماً عن كل التحديات، سيكون أجمل.
الكاتبة /نوال ابراهيم السبعي[email protected]

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى