الصحفي الأقوى.. من يجمع بين الخبرة والتقنية

حظيت المناظرة التي نشرتها صحيفة «وقع الحدث» بين الصحفي الورقي والصحفي الرقمي بتفاعل واسع وأصداء لافتة بين قراء الصحيفة ومتابعيها. ومن أبرز المشاركات التي وردت بشأن هذه المناظرة مداخلة الإعلامي معتز القويعي من مدينة الدمام بالمنطقة الشرقية.
وحرصًا على الأمانة المهنية وإتاحة مختلف وجهات النظر، ننشر مشاركته كما وردت
اطلعت باهتمام على المناظرة المهنية التي نشرتها صحيفتكم بتاريخ 20/6/2026، بين صحفي ورقي مخضرم وصحفي إلكتروني شاب، والمذيلة باسم محرركم الأستاذ ناصر الحربي. ولأنني أحد أبناء الصحافة الورقية منذ نعومة أظافري، ولما تكتسبه هذه المناظرة من أهمية مهنية تتجاوز حدود الجدل التقليدي بين جيلين ووسيلتين إعلاميتين، رأيت أن أشارك بهذا الرأي.
منذ أن أبصرت الصحافة الحديثة النور، ارتبطت صورة الصحفي في أذهان الناس برائحة الورق وحبر المطابع، وبذلك الجهد المضني الذي يبدأ من البحث عن المعلومة ولا ينتهي إلا بعد أن تمر عبر بوابات التحقق والمراجعة والتدقيق. كانت الصحافة الورقية، ولا تزال، مدرسة متكاملة لصناعة الخبر وصياغة الرأي وتشكيل الوعي، ومنها تخرجت أجيال من الكتّاب والمحررين الذين أسهموا في بناء المشهد الإعلامي والثقافي في مختلف أنحاء العالم.
ولم يكن العمل في الصحافة الورقية مجرد وظيفة أو وسيلة لنقل الأخبار، بل كان تدريباً يومياً على الانضباط المهني واحترام الحقيقة، فالصحفي الورقي تعلم أن الخبر مسؤولية قبل أن يكون سبقاً صحفياً، وأن الكلمة المكتوبة تبقى شاهدة على صاحبها، لذلك اعتاد التروي والتمحيص والتأكد من المصادر قبل أن يدفع بمادته إلى النشر، ومن هنا اكتسبت الصحافة الورقية مكانتها بوصفها الحاضنة الأولى لقيم المهنة وأخلاقياتها.
ومع الثورة الرقمية المتسارعة، تبدلت ملامح المشهد الإعلامي، وظهر جيل جديد من الصحفيين يعمل في فضاء مفتوح لا تحده مواعيد طباعة ولا قيود توزيع.
أصبح الخبر يصل إلى المتلقي في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث، وتحولت الشاشة الصغيرة في يد الإنسان إلى غرفة أخبار متكاملة، ومن رحم هذه التحولات وُلد الصحفي الإلكتروني، حاملاً أدوات مختلفة ولغة جديدة تتناسب مع إيقاع العصر ومتطلباته.
الصحفي الإلكتروني اليوم لا يكتفي بصياغة الخبر، بل يتعامل مع الصورة والفيديو والبث المباشر وتحليل البيانات، ويتفاعل مع الجمهور لحظة بلحظة، مستفيداً من تقنيات متطورة أتاحت للمحتوى أن ينتشر على نطاق واسع خلال ثوانٍ معدودة، وقد منحت هذه البيئة الإعلامية الجديدة الصحافة قدرة غير مسبوقة على الوصول والتأثير، وجعلت من السرعة والتفاعل عنصرين أساسيين في صناعة المحتوى.
غير أن المقارنة بين الصحفي الورقي والصحفي الإلكتروني لا ينبغي أن تُختزل في مفاضلة بين الماضي والحاضر، أو بين البطء والسرعة، فلكل منهما دوره وأدواته وخصائصه المهنية.
فالصحافة الورقية تميل إلى العمق والتحليل وبناء المحتوى المرجعي الذي يبقى صالحاً للعودة إليه والاستفادة منه، بينما تتميز الصحافة الإلكترونية بالآنية وسرعة التحديث والقدرة على مواكبة الحدث في زمنه الحقيقي.
وقد عبّر الكاتب والإعلامي الأمريكي الشهير Walter Lippmann عن جوهر هذه الحقيقة حين أكد أن الصحافة لا تؤدي رسالتها إلا إذا كانت دقيقة وصادقة ومسؤولة، كما لخص الصحفي البريطاني Harold Evans جوهر المهنة بقوله إن الصحافة الجيدة هي البحث المستمر عن الحقيقة مهما كانت الوسيلة، وهنا تتجلى حقيقة مهمة مفادها أن قيمة الصحفي لا تُقاس بالمنصة التي يعمل من خلالها، بل بمقدار التزامه بالمهنية والمصداقية وأخلاقيات العمل الإعلامي.
ومن هذا المنطلق، يصعب القول إن الصحفي الإلكتروني بديل كامل للصحفي الورقي، كما يصعب أيضاً تجاهل التحولات الكبرى التي فرضها العصر الرقمي.
فغالباً ما يستند الصحفي الإلكتروني المتميز إلى أسس مهنية راسخة اكتسبها من مبادئ الصحافة التقليدية، في حين يحتاج الصحفي الورقي اليوم إلى استيعاب أدوات الإعلام الرقمي حتى يحافظ على حضوره وتأثيره.
إن الصحافة ليست ورقاً في مواجهة شاشة، ولا معركة بين جيلين، بل مهنة واحدة تتجدد أدواتها وتبقى رسالتها ثابتة، فالصحافة الورقية أرست القواعد وصاغت المعايير وأعلت قيمة الكلمة المسؤولة، بينما منحت الصحافة الإلكترونية تلك القواعد أفقاً أوسع ومساحة انتشار لا حدود لها، ولذلك فإن الصحفي الأقوى مهنياً في عصرنا الراهن ليس من ينتمي إلى الورق وحده أو إلى المنصات الرقمية وحدها، بل من يجمع بين عمق التجربة الورقية ومهارات العصر الرقمي، فيقدم محتوى يجمع بين الدقة والسرعة، وبين المعرفة والتأثير، وبين المصداقية ومواكبة الزمن
* معز القويعي..الدمام