المشهد الأوبرالي

✍️.. بقلم الكاتب عادل النعمي
وقف فتى عند باب القاعة وقال للفيلسوف بنبرة لا تخلو من التحدي:
– إذا أجبتني عن سؤالي، سأختار دراسة مادتك.
التفت الفيلسوف إلى طلابه، فاغرًا فاه بدهشة مستفزة، كأنما يسألهم صامتًا: “أي كائن ضل طريقه إلى هنا؟ ثم أجاب بسخرية باردة:
– إن كنت تريد التنفيس عن مشاعرك، فابحث عن من يهتم، أو عن من يتقاضى أجرًا ليتظاهر بذلك.
من دون مقدمات، القى الفتى قضيته كحجر في ماء راكد:
– أبي يسرق! وهو إمام المسجد!
تجاهله الفيلسوف وبدأ شرح درسه كأن الفتى غير موجود! وحين حاول الأخير دخول القاعة، أشار إليه الفيلسوف بكف حازمة: “لا!” لكن الفتى دخل بثقة.
بخطوات تشبه المشية العسكرية، مزيج من الاستحقاق والثقة، جلس على أحد الكراسي… ابتسم الفيلسوف من وقاحته، كمن يتهيأ لمشاهدة المشهد الأخير من فيلم يعرف نهايته.
التفت إلى الجمهور مستخدمًا إحدى مغالطات شوبنهاور وقال:
– اخبروه أن انضمامه لا يعنينا.
سادت القاعة لحظة صمت ثقيل… بدأ حوار بلا كلمات؛ عينا الفتى تتوسلان الانتماء، وعينا الفيلسوف مشبعتان بالصرامة، ثم قال بنبرة حاسمة:
– اخلع حذاءك وملابسك، ولا تبقَ إلا ما يستر عورتك، وحينها سنجيبك في نهاية المحاضرة عن حيرتك.
خرج الفتى منكسرًا، وانتهى المشهد الأوبرالي ظاهريًا.
بعد دقائق، فُتح الباب من جديد… دخل الفتى، يحمل ملابسه وحذاءه بين يديه، وتقدم بهدوء وجلس على الكرسي ذاته… ارتفعت همهمة خافتة في القاعة.
رفع الفيلسوف صوته بكلمات مشحونة بالتأكيد، كخطاب عسكري في حفل تخرج:
– اليوم سنراجع أهم ما درسناه، ولأثبت لكم أن الفلسفة لا تحتاج علمًا بقدر ما تحتاج عقلًا منفتحًا، ستكون مشكلة هذا الفتى محور محاضرتنا.
ثم التفت إليه:
– السؤال إليك يا بني: هل الشر من يختار صاحبه؟
حاول الفتى الإجابة فأشار إليه الفيلسوف بالتوقف، ثم سأل القاعة:
– هل يستطيع أحدكم أن يعرف الشر، بل أن يتخيله؟
رفع أحد الطلبة يده مبتسمًا:
– هو نحيل وسمين، أبيض وأسود، بلا وجه أو بألف وجه، بلا عينين، لكنه خيال مطلق.
ابتسم الفيلسوف، واظهرت عيناه البهجة كأن الموسيقى بدأت فعلا… حرّك يديه كما يفعل المايسترو، فتابع طالب آخر وهو يخلع نظارته ويمسحها:
– فاكهة الدوريان الأسيوية المشهورة في ماليزيا وتايلاند، تتغير طعمها ورائحتها بحسب الجينات… هناك من يشمها كأنها مانجو أو أناناس، ومن يشمها كجوز الهند، وآخرون يشمونها مقرفة حد الغثيان… طعمها عند بعضهم أحلى من السكر، وعند آخرين كالجبن أو البصل أو الليمون أو حتى الثوم، لذلك تُمنع من دخول الفنادق والمطارات… العلماء وجدوا أن كيمياءها تتفاعل مع الجينات، فتتبدل التجربة من شخص لآخر.
ثم صمت قليلًا، وأضاف:
– ومع ذلك، اجمع الجميع على فوائدها الكثيرة.
قال الفيلسوف:
– إذن.
فأجاب الطالب:
– إذن الخير والشر مرتبطان بطبيعة الإنسان، وهناك دراسات تربط ذلك بالجينات، حتى مؤسس علم النفس الفردي، ألفرد أدلر، أكد هذه الفكرة بطرق متعددة.
حرّك الفيلسوف يديه من جديد، فاندفع طالب ثالث، الكلمات تقفز من عينيه قبل شفتيه:
– لا، من قال إن الشر وحش أحمر بقرنين وذيل؟ الشر جميل أحيانًا، مغرٍ ورائع، وهو أقصر الطرق إلى السعادة، قد يأتي في أمور كثيرة.
سأل الفيلسوف بهدوء:
– هذا رأي المنطق، فما رأي الفلسفة؟
من آخر القاعة، تكلم طالب نادر الصمت، همس أحدهم: “أخيرًا تكلم.” نهض الشاب، حمل كرسيه، وضعه مقلوبًا، وجلس مواجهًا الفتى كضابط يستجوب متهمًا:
– ماذا لو أخبرتك أن علي فعل شيء خاطئ، وأعرف أنه خاطئ، لكنني أعلم أن الخير سيأتي بسببه؟
ثم رفع يديه فجأة: كقتل رضيع (هتلر)! ساد الصمت…
قال الفتى بتأكيد مفاجئ:
– سأعود بالزمن وأقتله.
صرخ الشاب مستنكرًا:
– ستقتل رضيعًا؟! إنه مجرد طفل! هل تعرف إن كان قد يولد شريرًا؟ لماذا لا تحاول إنقاذه؟
تردد الفتى:
– حسنًا، لن أفعل.
ثار الشاب:
– لن تقتل هتلر؟! هذا الرجل الذي قتل ملايين الأبرياء!
قال الفتى بصوت منخفض:
– لا أعرف، لكن لا يمكنك تبرير حقيقة واقعة بالاحتمال.
سأله:
– إذن احكم على الفعل نفسه، هل هو خير أم شر؟
أجاب الفتى متسائلاً:
– هل الخير في نتائج أفعالي؟
ابتسم الشاب:
– حتى ترددك يقول إنك حسمت أمرك.
قال الفتى:
– لا تعليق.
صفق الفيلسوف وتبعه الطلبة، نهض الشاب وانحنى للجمهور كأنه أنهى بطولته المسرحية بإتقان.

