كتاب الرأي

أُعلِّمُهُ الرمايةَ كلَّ يوم . فلما اشتدَّ ساعدُهُ رماني

بقلم: د. منصور الغامدي

يُعدّ هذا البيت من الأمثال العربية الشهيرة التي تُضرَب لناكر الجميل، ويعود إلى الشاعر المخضرم معن بن أوس المزني، الذي صاغ هذه الأبيات معبّرًا عن خيبة أمله فيمن أحسن إليهم. حيث يصوّر البيت غدر من ربّاهم وأحسن تعليمهم، بعدما أصبحوا أقوياء، في مشهد إنساني يجسّد قمة النكران.

هناك من أخرجناهم إلى ساحة الإعلام، وأصبح لهم حضور مميز، ولكن عندما يراك يتصرّف وكأنه لا يعرفك. هكذا يصنع من لا يُثمر فيه المعروف. للأسف، هؤلاء ممن مهّدت لهم الطريق إلى المجتمع، وأسهمت في إبرازهم في عالم الإعلام بجميع فروعه، فلما وصلوا انقلبوا ضدك.

وقد قيل عنهم: أسوأ الناس خُلُقًا من إذا غضب منك نسي فضلك، وأفشى سرّك، وتناسى عشرتك، وقال عنك ما ليس فيك. وقيل: إن نكران الجميل أشد وقعًا من السيف، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. فأجمل النفوس هي التي لا تنكر المعروف رغم شدة الخلاف.

ناكرو المعروف في هذه الأيام كُثُر؛ نراهم ونسمعهم كل يوم، وهم يتحدثون عن الإعلام، فأصبح لهم مساحة لا يستحقونها بين أبناء المجتمع. ذلك المجتمع الإعلامي الذي تبدو ثقافتهم فيه محدودة، ونظراتهم قاصرة، وسرعان ما يختفون، ولكن بعد أن ينفثوا سموم ثقافتهم، وعجز أفكارهم، لأنهم فقدوا من كان يرشدهم ويسندهم.

فجأة وجدوا أنفسهم في عالم لم يعرفوا عنه شيئًا، وفقدوا من كان يأخذ بأيديهم بسبب طيش غرورهم. فانطبق عليهم قول المثل:

أُعلِّمُهُ الرمايةَ كلَّ يومٍ
فلما اشتدَّ ساعدُهُ رماني

وكم علّمته نظم القوافي
فلما قال قافيةً هجاني

هكذا تكون نتيجة الجحود، وهكذا تكون عاقبة نكران الجميل. وهكذا من صنع معروفًا في غير أهله، نسي أو تناسى المثل الشهير: “من علّمني حرفًا كنت له عبدًا”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى