الحلم المأسور

✍️ أ. عادل النعمي (كاتب وناقد)
لم يكن مميزاً، ووجهٌ لو وضع بين ملامح العامة، لما التبس على أحد أنه موظف صغير لا يعرف من العالم إلا صوت المنبّه ورائحة الشاي… كان في منتصف الأربعين، نصفُ عمره قضاه يطارد أحلامًا لا تأتي، والنصف الآخر يندم على أنه طاردها حين جاءت.
ثم بدأت المصيبة: عندما كان يستيقظ يجد حلمه، الذي حلمه بالأمس يتجسد أمامه، ويستطيع أن يلمسه ويتجول من خلاله!
حين راجع الأطباء، أهدوه وصفة تشبه ورقة الطلاق بينه وبين الواقع: “هذه مهدئات… وخفف التفكير” لكنه لم يكن يُفكر كثيرًا… كانت لديه فكرة واحدة تؤرقه كمشكلة أزلية، وهي عدم رضاه عن زوجته، يريد أن يستبدلها بأخرى!
خطرة له فكرة أن يغير في تفاصيل ـ الذي يراه متجسداً أمامه كل صباح ـ ويسرع أحداثه ليرى كيف هي النتائج!
في اليوم الأول:
قرر أن يطلق زوجته التي كانت تحب الهاتف أكثر من طفلها، وتعتبر كل مناسبة اجتماعية فرصة لأن تكون مشهورة، كاميرتها صديقتها الحميمة، ومعارفها في الهاتف هم عائلتها الوحيدة، حتى أصيب طفلها بطيف التوحّد من كثر اهمالها له.
قرر بعد تخطيط طويل أن يهدي نفسه زوجة خمسينية ـ هي أفضل لمرحلته ولحالته ـ فسوف تصبر عليه حتى يحقق أحلامه، ولن تطلبه الكثير، وفعلا هذا ما صنع: جلس أمام حلمه بعد أن استيقظ، وغير من تفاصيله وجعل يشاهد نفسه، رأى نفسه يعود ويكمل عاد مراحل دراسته، ثم يعلق شهادته في صدر المجلس، ثم رُقي في العمل إلى درجة أنه صار يركب المصعد من الطابق الأرضي إلى الطابق الأخير.
بعد سنوات، وجد نفسه يعيش مع زوجة تعامله كطفل متأخر ذهنيًا: تأكله، تكسوه، تمشطه، وتُعنّفه إذا أخطأ في جدول المواعيد، وكلما حاول الهروب منها، ذكّرته أنها صاحبة الدين، وكل فلس أنفقته عليه موثق في البنك كسلفة فهي لا تعطيه المال نقداً بل تحوله عبر البنك كسلفة وهو لا يعلم، تيقن أنه قد وقع في فخ، أما السجن أو العيش كالعبد.
في اليوم الثاني:
أعاد تشغيل اللعبة ـ طلق الأولى ـ وتزوج ثلاثينية تشبه أكواب القهوة النقية: متواضعة من الخارج، وعلمية من الداخل، وقد أيقظته من خدر الحياة، أنجبت له، وساندته، وأقنعته أن الحياة تبدأ بعد الشهادة، فحصل على الشهادة، ثم اكتشف أن الحياة تبدأ بعد الطلاق.
خلعته في المحكمة، فلم تستطيع أن تتحمل أنها يعاملها كامرأة عادية، فهي من احسنت إليه، وهي الآن أفضل منه منزلة اجتماعية، ومال، وكذلك منصب، وقد تقدم لها رجل بمنزلتها ورضيت به هكذا اخبرته، ولا يغضب فهذا ذنبه فماله قليل ولم يطور من نفسه طوال تلك السنوات، لم يغضب فهذا حقها الذي كفله لها الشرع أن تخلع نفسها حتى دون سبب.
في اليوم الثالث:
قرّر أن لا يتزوج، ظنّ أن العزلة دواء، فكانت مرضًا مزمنًا، شيّخته الوحدة أسرع من الزمان، صار يمشي في البيت كأنه خيال، طفله المصاب بطيف التوحد تخلت عنه أمه، وأصبح معه لم يعد يبكي، بل ظل ساكنًا كتمثال، لا أحد يقرأ روحه، ولا هو يفهم، بقي وحيدًا، لا امرأة تصرخ، ولا طفل يضحك، فقط جدران تشبه مقابر لها أغطية.
في اليوم الرابع:
استفاق من النوم وهو يحاول تغيير القواعد، لكنّ نفسه ظهرت له في الحلم، ليست بهيئة روح لطيفة، بل كشيطانة ترتدي بدلته سوداء، وتفرك أنفها بشماتة، أخرجت له لسانها، ثم صفعه بباطن كفّ مغمّس بالسخرية، شعر أنه نملة واقفة أمام مرآة مقعّرة، تهامس المارة في الحلم أن الرجل مجنون لا يرى واقعه.
في واقعه ـ لم يستطع أن يتحمل حياته ـ فلم يعتبر بكل خياراته التي رآها في حلمه وفعلها نعم فعلها، فعلها حقا في الواقع! طلق زوجته وهو يحتسي الشاي، ثم نظر إلى المرآة وقال: ليكن ما يكن.
كان يعتقد أن هذه الجملة مثل كن فيكون… لكنها في الواقع كانت مثل ضربة حظ، وأن حياته هي مجرد أحد تفاصيل ذلك الحلم.

