الثقافة والفنون

صانع الأمنيات

✍️ أ. عادل النعمي ـ كاتب وناقد

في بلد العميان، يكون البصير منبوذًا…

هكذا بدأت الحكاية، لا كحكمة، بل كحكم مسبق على من وُلد أعمى… لم أفهم آنذاك أن الرؤية ليست امتيازًا، بل لعنة تتأخر في إعلان نفسها.

في طفولتي، أخبرت أمي أن أمنيتي الوحيدة ـ أن أرى ـ فأجابتني باقتضاب “الرؤية لا تتحقق إلا بتقديم أضحية… ثم صمتت ونطقتها بهدوء: “رأسي، ولا شيء غيره” كنت أعرف من الأساطير أن الأضحية هي بيع الروح للشيطان، لا أن يقطع رأسك.

توقفت طويلًا عند حياتي، بدت لي كجثة لم تُعلن وفاتها بعد، كنت كائنًا مجوفًا، ظلامًا يسبح في ظلام، قد اتخم بالهم والغم واحتقار الذات… عندما أريد أن اغير ذلك الشعور استدعي أغنية جدتي التي، نسيت معظم كلماتها وبقي معناها: العميان لا يتألمون ولا يحزنون، حياتهم بياض في بياض.

لم تكن تعلم أن البياض إذا فاض تحوّل إلى عمى أشد، وأن الجحيم قد استعجلني في هذه الدنيا.

ما كان يخفف عني أنني لست الأعمى الوحيد… العالم كله صار أعمى، لكنه يصر على تسمية عماه بصيرة! وأنا، على الأقل، كنت أعرف أنني لا أرى!

تجرأت…

بعد ألف خطوة إلى الأمام، وألف إلى اليسار، وبعد صعود الجبل بقدمين ترتجفان، وصلت إلى مصدر الصوت الذي كان يلاحقني كل ليلة… صوت الجبل، لم يكن نداءً، بل سخرية عميقة، كأن الحجر يضحك على اللحم، نحن العميان نرى بآذاننا، وصوته كان طفلًا يتسلى، ومع ذلك، رضخت، كره الحياة دفعني إلى الانتحار، لا هربًا منها، بل طمعًا في رؤيتها.

ترددت لحظة…

ماذا لو كانت الحياة صوتًا ملموسًا؟ غناءً مهموسًا؟ شعرًا متدفقًا كما تقول جدتي؟ ومغامرتي تؤدي إلى هلاكي! شعرت برغبة في التراجع، لكن الجبل لا يمنح فرصًا ثانية!

داهمتني رؤية…

على الطريق الطويل جدًا، لوح لي رجل أبيض، يغيب أوله في ظلام ويذوب آخره في ضباب، ثم رأيتني: طفلًا، مراهقًا، عبدًا، رأيت عمري دفعة واحدة، كأنه سُلِّم يُسحب من تحتي… رغم ذلك لم أصرخ!

شعرت بيد خفية تحرّكني كنسمة بعد ربيع، ثم جاءت الركلة، سقطت، ثم تدحرج رأسي قبل جسدي، فهمت متأخرًا أنني أنزل على مقصلة، وأن الأضحية تعرف طريقها جيدًا!

آخر ما رآه رأسي امرأة بلا ملامح، التقطتني من شعري كما تُلتقط دمية مكسورة، وسارت بي عبر الوديان، المدهش أنني كنت أتكلم، وكانت ترد بفرح، رأس مقطوع يتحدث، أدركت أنني عبرت إلى عالم لا تحكمه القوانين!

قالت لي إنني الآن ـ صندوق باندورا ـ الخارج من الجحيم، صانع الأمنيات، مهمتي أن أحوّل الأطفال إلى أبطال، والنساء إلى ملكات تشبه الأزهار، وأن أبث الجنون في العالم حتى يظن الساحر أن خدعته خلاص، وأن الكذب حين يتقن يصير مقدسًا!

كنت مشغولًا بالرؤية… لا بهرائها! ليس هذا هو العالم الذي سمعته في الروايات، أنا من الجيل الثاني من العميان؛ عرفت العالم بالأصوات والحكايات، لكن ما أراه الآن لا يشبه شيئًا مما قيل، الواقع كان أفظع، وأعمق، وأكثر دهشة.

ابتسمت المرأة وقالت: ستعتاد! من كان قبلك خدم ألف عام، ثم تدحرج من فوهة بركان في غفلة مني، وأهلك نفسه، أنت الآن خالد.

طلبت منها، على سبيل المحبة، قبلة، ابتسمت، رفعت رأسي وجعلت تتأملني! رأت المكر في عيني، عرفت أنني سأعض خدها، أظهرت أنيابها وهمست في أذني: أنت ملكي إلى الأبد!

وضعتني أمام مرآة، نفخت ضوءًا أبيض، فصارت عيناي بيضاوين، رأيت ولادتي في رعب داكن، صار لساني يترجم ما يختلج في صدور الناس، لا ما ينطقون به، لم أعد أرى الأشياء، بل رغباتها، مخاوفها، أكاذيبها التي صدّقتها طويلًا.

رأيت كائنات لم تُحكَ لي: مخلوقات تطوف بين السماء والأرض بألف جناح، وأخرى تهب مع الريح، تحمل النار في أجسادها، عالم أشبه بالخيال.

في اللحظة التي حسبت فيها أنني أرى كل شيء، انطفأ آخر ما تبقى لي من وهم، أدركت أن الرؤية التي مُنحت لي ليست هبة، بل عقاب، لم أكن صانع أمنيات، بل مرآة كبرى، كل من اقترب منها رأى رغبته العارية، ثم كرهني لأنني لم أجمّلها له!

حاولت أن أغمض عينيّ البيضاوين، فاكتشفت أنني بلا جفون، حاولت أن أصمت، فتكلم لساني من تلقاء نفسه، عندها فهمت الخلود: أن تبقى شاهدًا بلا حق في الانسحاب، أن ترى الحقيقة كاملة دون أن يسمح لك بالموت.

ضحكت المرأة بلا ملامح، وتركتني وحدي…

وحين التفتُّ، لم أعد على جبل، بل في قلب مدينة، الناس يمرّون من حولي، يلمسونني، يهمسون أمنياتهم، وكلما تمنّى أحدهم شيئًا، فقد جزءًا من قلبه، عندها فقط أدركت الحقيقة الأخيرة: لم أضحِّ برأسي لأرى العالم، بل ضحّى العالم بعينيّ كي لا يرى نفسه!

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى