رزقان العبدلي ..قصة كفاح في بلاط الصحافة -رحلة مهنية صنعتها الكلمة –
بين الحبر وهيبة الزيت وجمع الرصاص في المطابع
تقرير صحفي- من اعداد / ناصر مضحي الحربي
في تاريخ الصحافة السعودية، هناك أسماء عاشت المهنة بكل تفاصيلها؛ لم تبدأ من مكاتب التحرير المكيفة، بل من قلب المطابع، حيث الحبر الساخن وصوت الآلات الثقيلة وسهر الليالي في انتظار صدور الصحيفة مع أول خيوط الفجر
ومن بين تلك النماذج المهنية اللافتة التي تستحق التوثيق، تبرز مسيرة الإعلامي رزقان بن حمود العبدلي، بوصفها رحلة فريدة جمعت بين صرامة العمل المؤسسي في قطاع الطاقة، وعشق الصحافة والعمل الإعلامي الذي رافقه خلال ما يقارب نصف قرن؛ من زمن الحروف المعدنية وصفّ الأحرف يدوياً، إلى زمن الصحافة الرقمية والمنصات الإلكترونية.
إنها رحلة تمتد لعقود، بدأت من أروقة المطابع القديمة، مروراً بمدارس الصحافة الورقية العريقة، ثم إلى عالم الطاقة في شركة أرامكو السعودية، قبل أن تستقر في فضاء الإعلام الرقمي، حيث يقود العبدلي تجربة إعلامية تستند إلى خبرة ميدانية طويلة ورؤية مهنية متراكمة.
وفي هذا التقرير محاولة لتوثيق تلك الرحلة المهنية، ليس فقط بوصفها سيرة شخصية، بل باعتبارها من ذاكرة الصحافة السعودية نفسها.
البدايات الأولى: من رائحة الحبر إلى شغف الكلمة
تعود جذور قصة رزقان العبدلي إلى واحدة من أبرز محطات تاريخ الطباعة في المملكة، حين بدأت ملامح رحلته عام 1386هـ داخل مطابع الشربتلي في جدة، التي كانت آنذاك من أبرز المطابع التي تمتلك آلة الطباعة العملاقة المعروفة بـ “الدبلكس”، والتي كانت تُطبع عليها كبرى الصحف السعودية مثل أم القرى وعكاظ والبلاد والمدينة.
في تلك الأروقة التي تعبق برائحة الحبر والرصاص المصهور، كان والده أحد العاملين في طي وترتيب صفحات الصحف في زمن لم تتجاوز فيه الصحيفة أربع صفحات، ومع ظروف الحياة الصعبة، التحق رزقان بالعمل إلى جانب والده براتب شهري بلغ 80 ريالاً، لم تكن البداية سهلة، فقد اقتصرت مهامه على الأعمال الشاقة داخل المطبعة، مثل:
جمع قوالب الرصاص وإذابتها في الأفران الخاصة – تغذية ماكينات صف الأحرف بالرصاص المذاب – تنظيف أرضيات المطابع من زيوت المحركات.
غير أن تلك البيئة المليئة بالخبرات والجنسيات المختلفة زرعت في نفسه فضولاً تحول سريعاً إلى شغف حقيقي بصناعة الصحيفة.
التدرج المهني وصناعة الخبرة
في عام 1387هـ انتقل العبدلي إلى قسم صف الأحرف اليدوي، متتلمذاً على يد رئيس القسم آنذاك العم عبدالغني، حيث بدأ يتعلم أبجديات صناعة الحرف الصحفي، متتلمذاً على يد العم عبد الغني (رئيس القسم آنذاك).
وبعد عام من العمل المتواصل، وبشفاعة من الأستاذ حسين شنيكة لدى المدير الفني الأستاذ حسن مجلد، انتقل إلى قسم تجليد الكتب، قبل أن يبدأ مرحلة التدريب في أقسام الطباعة الحديثة مثل مكائن الهايدلبرج والأوفست الملون، وخلال تلك السنوات تنقل بين عدد من المطابع البارزة، منها: مطبعة الجامعة – مطبعة البنوي – دار المدينة للطباعة.
ومع حلول عام 1395هـ أصبح فني طباعة متمكناً، ووصل راتبه إلى 400 ريال، قبل أن تضطره ظروف والده للعودة إلى مسقط رأسه في رجال ألمع لمدة ثلاثة أعوام.
العودة إلى جدة عبر بوابة “المدينة”
في عام 1400هـ عاد العبدلي إلى جدة، التي كانت تشهد آنذاك طفرة كبيرة في قطاع الصحافة مع انتقال الصحف إلى مقارها المستقلة.
تقدم للعمل في صحيفة المدينة بوظيفة ناسخ على الآلة الكاتبة، واستطاع اجتياز اختبار المهارة متفوقاً على ستة متقدمين من جنسيات مختلفة، بعدما حقق سرعة 40 كلمة في الدقيقة بنظام اللمس، لتبدأ مرحلة جديدة من علاقته المهنية مع الحرف والكلمة.
مدرسة الصحافة: صحيفة المدينة
بين عامي 1401 و1403هـ بدأ العبدلي مرحلته المهنية الفعلية في الصحافة محرراً في صحيفة المدينة، في فترة توصف بالعصر الذهبي للصحافة الورقية في المملكة.
كانت تلك السنوات بمثابة مدرسة صحفية متكاملة صقلت مهاراته المهنية، حيث لم يكن العمل الصحفي مجرد تحرير خبر، بل منظومة متكاملة تتطلب: ” الدقة في صياغة الخبر- فهم ذائقة القارئ السعودي – متابعة الأحداث وتحليلها – الالتزام بأخلاقيات المهنة وتقاليدها”.
وقد أتاحت له هذه التجربة الاحتكاك المباشر بعدد من رواد الصحافة السعودية، من بينهم:
هاشم عبده هاشم – أحمد محمد محمود – إبراهيم الدعيلج – أحمد صلاح جمجوم – وهي أسماء شكلت مدرسة مهنية كان لها أثر كبير في تطوير تجربته الصحفية في وقت مبكر.
محطة أرامكو: الانضباط المؤسسي
لاحقاً، انتقل العبدلي إلى تجربة مهنية مختلفة عندما التحق بالعمل في شركة أرامكو السعودية، إحدى أكبر شركات الطاقة في العالم، وقد أضافت هذه المرحلة بعداً جديداً إلى خبرته المهنية، حيث اكتسب ثقافة العمل المؤسسي القائمة على:
الانضباط المهني – الالتزام بالأنظمة الإدارية الدقيقة – العمل وفق معايير الجودة والكفاءة ، ورغم متطلبات العمل في هذا القطاع الحيوي، ظل ارتباطه بالصحافة قائماً، إذ بقي شغفه الإعلامي حاضراً في مسيرته.
جازان: العمل بقلبين
عند انتقاله إلى منطقة جازان، دخلت مسيرته مرحلة جديدة من النشاط والتنوع، حيث تولى إدارة مكتب صحيفة المدينة في جازان لمدة خمسة أعوام، في تلك المرحلة جمع بين عمله في أرامكو ومسؤوليته الإعلامية في الصحيفة، ليعمل – كما يصفه زملاؤه – بقلبين: “قلب ينتمي إلى الانضباط المؤسسي في أرامكو، وقلب آخر يخفق بشغف الصحافة لنقل أخبار جازان وقضايا مجتمعها” وخلال تلك السنوات أسهم في إبراز العديد من القضايا التنموية والاجتماعية في المنطقة، مقدماً صورة واقعية عن المجتمع المحلي.
العمل الاستشاري الإعلامي
بعد سنوات طويلة من العمل في الحقل الصحفي والإداري، اتجه العبدلي إلى مجال الاستشارات الإعلامية، مستثمراً ما راكمه من خبرة واسعة ومعرفة عميقة ببيئة العمل الإعلامي. وقد عمل خلال المرحلة السابقة – نائباً للمدير العام ومستشاراً إعلامياً لصحيفة “غرب السعودية” لمدة خمسة أعوام – حيث أسهم بدور بارز في دعم مسيرة الصحيفة وتعزيز حضورها الإعلامي.
وخلال تلك الفترة، قدم عدداً من المبادرات التطويرية التي ركزت على الارتقاء بالعمل الصحفي وتحديث أدواته، ومن أبرزها:
تطوير المحتوى الصحفي بما يتوافق مع المعايير المهنية الحديثة – تحديث آليات العمل التحريري ورفع كفاءة الأداء داخل غرف الأخبار – توسيع نطاق انتشار الصحيفة وتعزيز حضورها الإعلامي – مواكبة التحول المتسارع نحو الإعلام الرقمي – تعزيز مفاهيم القيادة الإعلامية في العصر الرقمي.
وقد أسهمت هذه المبادرات في إحداث نقلة نوعية في أداء الصحيفة، بما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات التي يشهدها قطاع الإعلام في العصر الحديث.
اليوم يواصل رزقان العبدلي حضوره في المشهد الإعلامي من خلال رئاسته لمجلس إدارة صحيفة وقع الحدث الإخبارية، وهي منصة إعلامية رقمية تسعى إلى تقديم محتوى إخباري مهني يواكب تطورات الإعلام الحديث.
رزقان العبدلي .. تجربة متكاملة
يمثل هذا الدور امتداداً طبيعياً لمسيرة مهنية طويلة ومتنوعة، استطاع العبدلي خلالها أن يجمع بين عدة مسارات معرفية ومهنية شكلت في مجموعها تجربة متكاملة، من أبرز ملامحها:
خبرة عميقة في الصحافة الورقية والعمل التحريري – معرفة تقنية متقدمة في صناعة الطباعة والإنتاج الصحفي – خبرة مؤسسية اكتسبها من عمله في قطاع الطاقة وما يتطلبه من انضباط إداري وتنظيم مؤسسي – رؤية مستقبلية تستشرف تحولات الإعلام الرقمي ومتطلبات المرحلة القادمة.
أخيرا
يؤمن الأستاذ رزقان بن حمود العبدلي بأن الإعلام هو “المرآة الصادقة للتنمية”، وأن الصحفي الناجح هو من يستطيع توظيف خبراته المهنية والإدارية لخدمة رسالة إعلامية رصينة، مع الالتزام التام بالقيم الوطنية والمهنية.
لتحرير كلمة في توثيق ملف الإعلامي رزقان حمود العبدلي
في تاريخ الصحافة، لا تُقاس التجارب المهنية بعدد السنوات فقط، بل بعمق التجربة وتنوع محطاتها، وبقدرة صاحبها على أن يظل وفياً للمهنة رغم التحولات التي تعصف بها عبر الزمن. ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة الإعلامي رزقان بن حمود العبدلي واحدة من التجارب التي تستحق التوقف عندها قراءةً وتأملاً وتوثيقاً.
فالعبدلي ينتمي إلى جيلٍ مختلف من الصحفيين؛ جيلٍ لم يتعرف إلى الصحافة عبر الشاشات ولوحات المفاتيح، بل عرفها أولاً من خلال الحروف المعدنية الثقيلة، ومن رائحة الحبر في المطابع القديمة، ومن أصوات الماكينات التي كانت تعمل طوال الليل لتخرج الصحيفة مع بزوغ الفجر.
ذلك الجيل الذي بدأ المهنة من قاعها، وتعلمها خطوة خطوة، كان جيلاً يصنع الصحفي قبل أن يصنع الصحيفة.
وفي هذا السياق تتجلى خصوصية تجربة العبدلي، إذ لم يدخل الصحافة من باب الصدفة أو المجاملة، بل من باب الحرفة التي تشكلت عبر سنوات طويلة من العمل في المطابع، قبل أن ينتقل إلى غرف التحرير.
لقد كانت تجربته في صحيفة المدينة إحدى المحطات التي صقلت أدواته المهنية، خصوصاً في مرحلة كانت الصحافة الورقية فيها تعيش أوج حضورها وتأثيرها.
وفي تلك البيئة الصحفية، التي ضمت أسماء بارزة في الإعلام السعودي، تشكلت ملامح شخصيته المهنية، وتكوّنت لديه رؤية واضحة لدور الصحافة في المجتمع.
لكن ما يميز مسيرة العبدلي ليس مجرد انتمائه إلى جيل المطابع، بل قدرته على التنقل بين عوالم مهنية مختلفة دون أن يفقد هويته الصحفية. فانتقاله إلى العمل في أرامكو السعودية أضاف إلى تجربته بعداً مؤسسياً مهماً، حيث اكتسب خبرة في العمل الإداري والتنظيمي، وهي خبرة قلّما يجمعها الصحفيون مع العمل الإعلامي.
ومع ذلك، ظل شغفه بالصحافة حاضراً، يتجلى في عودته إلى العمل الإعلامي من خلال إدارة مكتب الصحيفة في جازان، ثم في أدواره اللاحقة في مجال الاستشارات الإعلامية والعمل الصحفي الرقمي.
إن تجربة رزقان العبدلي، حين تُقرأ في سياقها الأوسع، لا تبدو مجرد مسيرة فردية، بل تبدو أقرب إلى مرآة تعكس تحولات الصحافة السعودية نفسها.
فهي تبدأ من زمن المطابع اليدوية، وتمر بعصر الصحافة الورقية المزدهرة، ثم تصل إلى زمن الإعلام الرقمي والمنصات الإلكترونية.
ولهذا فإن توثيق هذه التجربة لا يندرج فقط ضمن كتابة السيرة المهنية لشخص واحد، بل يدخل أيضاً في إطار حفظ ذاكرة جيلٍ كامل من الإعلاميين الذين صنعوا الصحافة السعودية بجهدهم اليومي، وبإيمانهم العميق بقيمة الكلمة ودورها في المجتمع.
إن قراءة سيرة العبدلي تذكّرنا بحقيقة بسيطة لكنها عميقة: أن الصحافة، مهما تغيرت أدواتها وتقنياتها، تظل في جوهرها قائمة على الشغف بالمهنة، والالتزام بأخلاقياتها، والإيمان بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تترك أثراً يتجاوز حدود الزمن.
ومن هنا، تأتي أهمية هذا الملف التوثيقي، الذي لا يسعى فقط إلى استعادة مسيرة مهنية طويلة، بل إلى إضاءة صفحة من صفحات تاريخ الصحافة السعودية، من خلال تجربة إعلامي عاش المهنة في مختلف مراحلها، وظل وفياً لها حتى اليوم









