بين ديكتاتورية العقل وجمهورية القلب… يولد توازن الإنسان
بقلم / ناصرمضحي الحربي
بين صرامة المنطق ورقة الشعور، يقف الإنسان حائراً في تدبير شؤون حياته، كعازف يحاول ضبط إيقاع مقطوعة تجمع بين صخب الطبول وهديل الناي.
المقولة التي بين أيدينا: “للتعامل مع نفسك، استخدم عقلك، وللتعامُل مع الآخرين، استخدم قلبك”، ليست مجرد نصيحة عابرة، بل هي دستور أخلاقي وفلسفي يفكك ازدواجية الكائن البشري
بين حدّ السيف وملمس الحرير، يُنصب ميزان الوجود الإنساني؛ فما النفس إلا غابةٌ موحشة يحتاج السالك فيها إلى بوصلة من حديد، وما الآخر إلا مرآةٌ زجاجية رقيقة، إن طرقناها بمنطق الصخر تهشمت. إن المقولة التي تدعونا لاستخدام العقل مع الذات والقلب مع الآخر، ليست وعظاً أخلاقياً، بل هي هندسةٌ للروح، وتوزيعٌ عادل للأدوار في مسرحية البقاء الكبرى.
في محراب الذات، حيث تسكن الرغبات الجامحة كوحوشٍ كاسرة في أقبية الروح، لا مكان للينِ العاطفة.
إن التعامل مع النفس بقلبٍ مشفق هو “خيانةٌ مقدسة”، فالقلب حين يلتفت لنفسه يغرق في سكر التبرير، ويغض الطرف عن الندوب، ويميل إلى دعة الاسترخاء تحت ظلال الأوهام.
هنا، يجب أن يستيقظ “العقل الجراح”؛ ذاك الذي يحمل نور اليقين ليقطع دابر الزيف، ويحرق ببرد يقينه غابات التراخي.
إن العقل مع النفس هو السور الذي يمنع الروح من الانسياب كالماء في منحدرات الهوى، هو “السوط” الذي يقود خيول الطموح لئلا تضل الطريق في مفاوز الذات.
فمن لا يقسو على نفسه بحكمة العقل، ستقسو عليه الحياة بجورِ الجهل.
أما حين تشرع أبواب التواصل مع “الآخر”، ذاك الكائن الهش المجبول من طين الحيرة ونار الاحتياج، فإن العقل الصرف يصبح جداراً أصماً.
إن محاكمة البشر بمنطق الأرقام والنتائج هي جنايةٌ بحق الإنسانية؛ فالإنسان ليس معادلةً رياضية قابلة للحل، بل هو قصيدةٌ مكسورة الوزن أحياناً، ومقطوعةٌ موسيقية شابتها بعض النوتات النشاز.
هنا، نخلع رداء “القاضي” لنرتدي ثوب “المواسي”وإن استخدام القلب مع الآخرين يعني أن نكون “المترجم” لصرخاتهم الصامتة، وأن نمنحهم “الغفران” قبل أن يسألوه.
القلب هو الذي يرى خلف قسوة الظالم ضعفاً، وخلف كبرياء المتعالي جرحاً قديماً.
إننا نسكب من زيت عاطفتنا على تروس علاقاتنا لكي لا تصدأ من جفاف المنطق، فالقلب وحده هو من يملك مفاتيح الأبواب التي أغلقتها عقلانية المصالح.
إنها مفارقة الوجود العظيم: أن تكون “جلاداً” رحيماً لعيوبك، و”ملاذاً” غفوراً لعيوب غيرك.
العقل هو السراج الذي نضيء به دهاليزنا المعتمة لنعرف أين نضع أقدامنا، والقلب هو الشمس التي نرسل دفأها للآخرين لنخبرهم أنهم ليسوا وحدهم في صقيع هذا العالم.
نحن نروض وحش الذات بالعقل لكي لا يفترسنا، ونروض وحشة الغريب بالقلب لكي نأنس به.
وفي حقيقة الأمر، لا يستقيم ميزان الحياة إلا إذا كانت كفته الداخلية من “فولاذ الفكر”، وكفته الخارجية من “نسيم الروح”.

