كتاب الرأي

رماد الابتزاز وفوهة الجحيم: الخليج في قلب العاصفة

وقع الحدث – بقلم / ناصرمضحي الحربي

في الرابع من مارس لعام 2026، لم يعد الصمت خياراً والحياد بات ترفاً تحرقه ألسنة اللهب الممتدة من ضفاف طهران إلى قلب الخليج العربي؛ فالمشهد الذي يتكشف منذ أواخر فبراير ليس مجرد جولة اشتباك عابرة، بل هو زلزال جيوسياسي يعيد رسم خارطة الألم والدمار في المنطقة.
لقد سقطت الأقنعة وتجاوزت المواجهة حدودها التقليدية بين إيران وخصومها الدوليين، لتتحول دول الخليج إلى ساحة وغى رئيسية، لا لشيء إلا لأنها اختارت البناء في زمن الهدم، فصارت مطاراتها ومنشآت طاقتها أهدافاً لجنون الصواريخ الباليستية والمسيرات الانتحارية التي لا تفرق بين قاعدة عسكرية ومرفأ مدني.
إن هذا الاستهداف الممنهج للعمق الخليجي يعكس استراتيجية بائسة تسعى لممارسة “الابتزاز بالنار”؛ فبينما تتحصن القوى الكبرى خلف منظومات دفاعية معقدة، تصر طهران على توجيه زخم نيرانها نحو مفاصل الحياة في الخليج، ظناً منها أن ضرب عصب الطاقة العالمي في السعودية والكويت، أو استهداف شريان الملاحة الجوية في دبي والدوحة، سيجبر العالم على الركوع خلف طاولة التفاوض.
إنها حرب استنزاف خبيثة، تهدف إلى إفراغ مخازن الاعتراض الدفاعي وتشتيت الجهود، ضاربةً عرض الحائط بكل أمن واستقرار المنطقة، لتكشف الأيام أن ما يُسمى باستهداف “القواعد الأمريكية” ليس إلا ذريعة واهية لإحراق المنجزات العربية وتدمير البنى التحتية التي استغرق بناؤها عقوداً من الجهد والعرق.
ولم تكن التداعيات مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل كانت صدمة هزت أركان الاقتصاد العالمي؛ فقد اشتعلت أسعار النفط لتقفز فوق حاجز الثمانين دولاراً في لمح البصر، مع نذر شؤم تلوح بالوصول إلى مائة دولار للبرميل إذا ما ظل مضيق هرمز مرتهناً لسياسة التهديد والوعيد.
وفي الوقت الذي كان العالم يترقب فيه تدفق الغاز المسال، جاء استهداف المنشآت الحيوية في قطر ليحرق الآمال، متسبباً في قفزة جنونية بأسعار الغاز الأوروبي تجاوزت الثلث، ليصبح تدفئة المواطن في أقصى الأرض رهينةً لمسيرة انتحارية طائشة تجوب سماء الخليج.
إن هذه الحرب لم تضرب الحديد والأسمنت فحسب، بل ضربت الثقة في مقتل؛ فمن استهداف مراكز البيانات الرقمية الكبرى في الإمارات إلى محاولات شل حركة المطارات الدولية التي تربط الشرق بالغرب، يبدو أن الهدف هو عزل المنطقة وتحويلها إلى “بقعة محرمة” على الاستثمار والسياحة.
ومع تراجع البورصات العالمية من “داو جونز” إلى طوكيو، وارتفاع تكاليف التأمين البحري إلى مستويات قياسية، يدرك العالم اليوم أن أمن الخليج ليس شأناً محلياً، بل هو صمام الأمان للاستقرار البشري.
إننا أمام لحظة تاريخية فارقة، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية لوقف هذا العبث بمصير الشعوب، فالحرائق التي تُشعل اليوم في آبار النفط ومطارات المدن لن يتوقف دخانها عند حدود المنطقة، بل سيخنق اقتصاد العالم أجمع إذا استمر هذا المسار الانتحاري.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى