دبلوماسية “احتواء الحريق”: صراع الإرادات بين الرنين والهدير في سماء الإقليم
بقلم / ناصر مضحي الحربي – وقع الحدث
في لحظاتٍ استثنائية تتسارع فيها الأحداث وكأن الزمن قد فقد اتزانه المعهود، يجد الإقليم نفسه واقفاً على حافة توترٍ غير مسبوق؛ سماءٌ تزدحم بمسارات الصواريخ، وأرضٌ يرزح سكانها تحت وطأة قلقٍ وجودي، وهواتف دبلوماسية لا تهدأ بين العواصم الكبرى في سباقٍ محموم بحثاً عن مخرجٍ آمن يحفظ ما تبقى من أطلال الاستقرار.
في هذا السياق المضطرب، تحولت الرياض إلى مركز ثقل سياسي لإدارة الأزمة، حيث تلقى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، سلسلة من الاتصالات المكثفة من قادة دوليين بارزين، عكست في مضمونها حجم القلق من انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة لا تُبقي ولا تذر.
كانت هذه التحركات الدبلوماسية محاولة جادة لتقديم “صوت الحكمة” على “صوت الانفجار”، وإعادة ترتيب المشهد قبل أن تكتبه النيران بدمائها.
فمن سلطنة عُمان، جاء اتصال جلالة السلطان هيثم بن طارق ليؤكد أن احترام سيادة الدول ليس مجرد ترف سياسي، بل هو صمام الأمان الوحيد لمنع الانهيار.
ومن الهند، بحث رئيس الوزراء ناريندرا مودي مع سمو ولي العهد الانعكاسات العميقة لهذا التصعيد على الأمن العالمي، مؤكداً أن ما يجري لم يعد شأناً محلياً بل مسألة تمس التوازنات الدولية الكبرى.
كما جاء الاتصال من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليعكس إدراك القوى العظمى لحساسية المرحلة وخطورة انجرافها نحو تعقيدات غير محسوبة النتائج.
وفي موازاة هذا الحراك السياسي، كانت السماء الخليجية تكتب سطوراً أخرى من المشهد بلغة الحديد والنار؛ فقد أعلنت القوات الجوية الأميرية القطرية عن نجاحها في اعتراض تهديدات جوية جدية، شملت إسقاط طائرتين من طراز “سوخوي 24” قادمتين من إيران، واعتراض سبعة صواريخ باليستية، بالإضافة إلى التصدي لعدد من الطائرات المسيّرة. هذا المشهد العسكري، الذي تختلط فيه حسابات الردع برسائل القوة، يعكس حجم الضغط الذي يرزح تحته أمن المنطقة فوق حدودٍ مشدودة الأعصاب.
هكذا يتشكل الواقع الراهن بين دبلوماسية تتحرك لاحتواء النار، ودفاعات جوية تتصدى لما يعبر السماء، وشعوب تترقب بقلقٍ ما ستسفر عنه الأيام.
إن الإقليم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من ضجيج التهديدات، بل إلى حكمةٍ استراتيجية تُعيد ترتيب الأولويات وتغلب صوت القانون على صوت السلاح.
ففي زمن التصعيد، تصبح الكلمة مسؤولية تاريخية، ويغدو الاتصال الهاتفي فعلاً سياسياً يوازي في أثره حركة الجيوش.
وبين هدير الطائرات ورنين الهواتف، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنتصر لغة التهدئة قبل أن تتسع دوائر النار وتخرج عن السيطرة؟

