كتاب الرأي

رمضان… موسم الطاعة وفرصة العمر التي قد لا تتكرر

مع اقتراب شهر رمضان المبارك تتجدد في النفوس مشاعر الشوق والرجاء، ويعلو صوت الدعاء بأن يبلغنا الله هذا الشهر الكريم، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وسائر العبادات بما يرضيه سبحانه، وأن يكتب لنا فيه رفعة الدرجات ومغفرة الذنوب، وأن يجعلنا ووالدينا وأهلينا من عتقائه من النار.

رمضان ليس شهرًا عاديًا في حياة المسلم، وإنما هو محطة إيمانية عظيمة، وموسم تتضاعف فيه الحسنات وتُغفر فيه الزلات، وهو فرصة قد لا تتكرر. فالإنسان لا يعلم متى يغادر هذه الدنيا، ولا يدري متى يدركه المرض الذي يقعده عن العبادة والعمل الصالح. وكم فقدنا خلال عامٍ واحدٍ أصدقاء وأقارب وأحبة كانوا بيننا، ثم رحلوا قبل أن يدركوا هذا الشهر، وبقينا نحن بفضل الله ورحمته، وهو فضل يستحق الشكر والعمل.

ومن هنا فإن استثمار أيام رمضان ولياليه هو الطريق إلى الخير والفلاح، فهي أيام معدودات، كما وصفها القرآن الكريم، لكنها أيام عظيمة الأجر، واسعة الفضل، والسعيد من عرف قدرها فاغتنمها. والمؤلم أن يمر الشهر على بعض الناس وهو مجرد وقت للسهر على المسلسلات أو الانشغال بالألعاب أو اللهو الذي يمكن أن يُدرك في سائر أيام السنة، بينما تضيع ساعات رمضان الثمينة دون أن تُستثمر فيما ينفع.

إن الصيام عبادة فرضها الله علينا رحمةً بنا وتربيةً لنفوسنا، والله سبحانه غني عن عبادتنا، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، وإنما نحن المحتاجون إلى رحمته، المتطلعون إلى فضله، المتعبدون له شكرًا على نعمته، ومن أعظمها أن جعلنا مسلمين وبلغنا مواسم الخير.

ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان بعد انقضاء رمضان أن يشعر بأنه لم يعط هذا الشهر حقه، وأن أيامه مضت سريعًا دون أن يملأها بما يرضي الله. لذلك فإن من الحكمة أن يبدأ المرء من الآن في العزم الصادق على اغتنام الشهر، وأن يجعل لنفسه نصيبًا من القرآن والذكر والصلاة والصدقة وسائر الأعمال الصالحة.

وفي ختام هذه الكلمات، يبقى الدعاء هو الزاد الأعظم: نسأل الله عز وجل أن يبلغنا رمضان، وأن يتم علينا صيامه وقيامه، وأن يتقبله منا قبولًا حسنًا، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وأن يرحم من سبقونا إلى الدار الآخرة، وأن يوسع قبورهم ويجزيهم خير الجزاء، وأن يجعلنا جميعًا من أهل جنات النعيم.

فهي أيام قليلة… ولكنها عند الله عظيمة، والسعيد من عرف قدرها قبل أن تمضي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى